بروفايل الوئام – الرياض
كان أرسطو يرى أن الذاكرة ليست الماضي ذاته، بل الأثر الذي يتركه فينا، يشبّهها بختمٍ يُضغط على الشمع، يرحل الحدث ويبقى نقشه، أو كما قال.
ذاكرة المدن، مثل البشر، لا تحتفظ بالأحداث كاملة، إنها تحتفظ بأثرها ولو كانت الذاكرة شيئًا يُمحى برحيل أصحابه، لفقدت جدة ذاكرتها مرتين خلال أيام.
بين «المظلوم»و«الرويس»، أنجبت «العروس» صوتين مختلفين في النبرة متقاطعين في الأثر ، شاعرة أعادت تشكيل العاطفة، وناقدًا أعاد تشكيل المعنى، وفي أسبوع واحد، ودّعتهما معًا.
في الرابع من فبراير، وعلى مقربة من أزقة البلد، حيث تتشابك الظلال مع الرواشين الخشبية، أغلقت حارة المظلوم نافذة من نوافذها الوجدانية، فهناك وُلدت «ثريا قابل»، وكبرت في مدينة تحفظ الحكاية شفهيًا، وتكتب الشوق كما لو أنه جزء من الهواء الرطب الذي يمرّ بين الأزقة، لم تكن تكتب الفقد كحادثة، بل كحالةٍ تسكن الإنسان حتى وهو يبتسم، كانت تعرف تلك المسافة الغامضة بين الحضور والغياب، وقالتها ببساطة جارحة: «توحشني وانت بجنبي.. واشتاق لك لو تغيب» رحيلها لم يكن غياب قصيدة، بل خفوت نبرةٍ كانت تعرف كيف تجعل الحنين ملموساً.
واليوم، من ذات المدينة يرحل صوت مختلف في نبرته، متماسك في منطقه، واسع في أفقه، ففي «الرويس»، الحي الذي شهد تحولات جدة الحديثة، حيث انفتحت الشوارع واتسعت الأسئلة، وُلد سعيد السريحي.
لم يكن ابن الأزقة الضيقة، بل ابن الفضاء الأوسع، ابن القاعات والمنابر الثقافية والحوارات الطويلة، كتب النقد كما لو أنه يُعيد ترتيب الفكرة داخل النص، لا ليهدمه، بل ليجعله أكثر وضوحًا، كان يؤمن أن الثقافة ليست زينة للمدينة، بل وعيها العميق، وأن السؤال لا يقل جمالًا عن القصيدة.
اللافت أن المسافة الجغرافية بين الحيين قصيرة، يمكن قطعها في دقائق، لكن المسافة الرمزية بينهما تختصر قصة تحول مدينة كاملة، من جدة التي تحفظ الحكاية شفهيًا في الأزقة، إلى جدة التي تناقشها على المنصات الثقافية.
رحيل «ثريا» ليس مجرد فقد صوت شعري، ورحيل «السريحي» ليس غياب قلم نقدي فحسب، إنه وداع مزدوج لذاكرة مدينة كانت تتكئ على العاطفة حيناً، وعلى الفكرة حيناً آخر.
جدة اليوم تسير بين «المظلوم»و «الرويس»، تمرّ على بيت قديم يعرف اسم «ثريا»، ثم تواصل الطريق إلى حي شهد بدايات «سعيد»، المدينة ما زالت هناك، لكنها تدرك جيداً أنها فقدت شيئًا من روحها.
ليعود أرسطو قائلاً: إن الذاكرة امتلاك للأثر، وإن التذكّر فعلٌ نمارسه بإرادتنا، ربما لم تفقد جدة ذاكرتها هذا الأسبوع، لكنها فقدت اثنين من أمهر من كانوا يعرفون كيف يمارسون فعل التذكّر نيابة عنها.
ليست كل المدن تُقاس مسافاتها بالكيلومترات، بعضها يُقاس بمن يوقظ أثرها من السكون، وفي فبراير هذا، استيقظت جدة على غيابين كبيرين، وكأنها تُسلّم مفاتيح ذاكرتها إلى جيلٍ جديد، وتنتظر من يتقن فنّ التذكّر.

