نشرت جريدة “أم القرى”، السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة، والتي تأتي لتكون مظلة عامة تمثل الموجهات الرئيسية والمبادئ العامة والمنطلقات الأساسية تجاه اللغة العربية، بما يعزز مكانتها ويرسخ فاعليتها الحضارية والتنموية، اتساقاً مع الدور الجوهري والرئيسي للسعودية في الحفاظ على الثقافة والهوية العربيتين والإسلاميتين، ومركزيتيهما العالميتين.
وتأتي هذه السياسة امتدادًا لنهج تاريخي بدأ منذ تأسيس الدولة، حيث شكّلت اللغة العربية أحد أعمدة البناء الوطني، وركيزة رئيسة في النظام الأساسي للحكم، الذي نصّ صراحة على أن العربية هي لغة الدولة الرسمية.
يرتبط الاهتمام باللغة العربية في المملكة منذ لحظة التوحيد، حين أكد الملك المؤسس – رحمه الله – في أمره الملكي عام 1351هـ أن تسمية الدولة «المملكة العربية السعودية» تحمل في جوهرها بعدًا لغويًا وثقافيًا يعكس الهوية العربية، وتعزز هذا التوجه لاحقًا في النظام الأساسي للحكم الصادر عام 1412هـ، الذي نصّ على أن العربية هي لغة الدولة، بما يرسّخها عنصرًا أساسيًا في السيادة الوطنية، ومنذ ذلك الحين، تتابعت الأنظمة والأوامر السامية التي تدعم استخدام اللغة العربية في المؤسسات الحكومية، والشركات، والاتفاقيات الدولية، والمجالات الإعلامية والتعليمية.
سياسة وطنية شاملة
تهدف السياسة الوطنية للغة العربية إلى توحيد الجهود الرسمية والمؤسسية في مجال تمكين اللغة، وترتكز على رؤية واضحة تنطلق من تعزيز ريادة المملكة عالميًا في شؤون اللغة العربية، ترسيخ العربية بوصفها مكونًا رئيسًا للهوية الوطنية، توسيع استخدامها في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، جعل المملكة وجهة عالمية لتعلم اللغة العربية.
ويتولى مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية دورًا محوريًا في تنفيذ هذه السياسة، من خلال إعداد الأدلة الإرشادية، وتطوير البرامج والمبادرات المتخصصة.
منطلقات فكرية وثقافية
تقوم السياسة على مجموعة من المنطلقات التأصيلية، أبرزها:
اللغة والسيادة
تُعد اللغة أداة مركزية في ترسيخ الوحدة الوطنية وبناء الوعي المجتمعي، وهي وسيلة التواصل بين الدولة والمجتمع.
اللغة والاستقلال
يمثل الاستقلال اللغوي أحد أركان الاستقلال الثقافي والحضاري، وعنصرًا أساسًا في تميز الأمم.
اللغة والأمن الثقافي
ترتبط اللغة بالحفاظ على الهوية، والاستقرار الاجتماعي، وبناء الإنسان الواعي بإرثه الحضاري.
اللغة والهوية
تُعد العربية الوعاء الرئيس للثقافة السعودية، ومنبع الانتماء الوطني.
اللغة والطفولة
تركز السياسة على تنمية اللغة لدى الأطفال بوصفها أساسًا لتكوين الشخصية والانتماء.
مبادئ تنظيمية واضحة
تضمنت السياسة ثمانية مبادئ رئيسة، من أهمها:
العربية لغة رسمية في جميع مناحي الحياة.
اعتمادها لغة أساسية في التعليم.
تعزيز حضورها في المشهد العام.
تمكينها في البحث العلمي.
إبرازها في الإعلام.
ترسيخها في مجال الأعمال.
دعم حضورها في المحافل الدولية.
تعزيزها في المجال الثقافي والفني.
وتهدف هذه المبادئ إلى تحويل اللغة من أداة تواصل فقط إلى عنصر فاعل في التنمية والاقتصاد والثقافة.
أبعاد تنموية واقتصادية
لا تقتصر السياسة الوطنية على الجانب الثقافي، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وتنموية، من خلال دعم الاستثمار في الصناعات اللغوية، تطوير المحتوى العربي الرقمي، تعزيز الترجمة والنشر، توسيع سوق تعليم العربية للناطقين بغيرها، ويُتوقع أن تسهم هذه الخطوات في خلق فرص اقتصادية جديدة، وتعزيز مكانة العربية في الاقتصاد المعرفي.
حضور دولي متزايد
تحرص المملكة، عبر هذه السياسة، على تعزيز حضور العربية في المحافل الدولية، والمؤتمرات، والمنظمات العالمية، بما يعكس دورها المحوري في خدمة اللغة العربية عالميًا.
كما تدعم توفير الترجمة الفورية والمحتوى العربي في اللقاءات الدولية، بما يضمن فاعلية التواصل وحضور الهوية اللغوية.

