تنطلق غدًا الجمعة المرحلة الأولى من تطبيق دليل تعرفة خدمات المؤسسات المالية المحدث الصادر عن البنك المركزي السعودي “ساما”، والذي يتضمن حزمة واسعة من التخفيضات الجوهرية في الرسوم المصرفية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشمول المالي وحماية العملاء وصولًا للتحول نحو مجتمع لا نقدي.
وتشمل القرارات الإلزامية جميع المؤسسات المالية الخاضعة لإشراف البنك المركزي، بما في ذلك البنوك وشركات المدفوعات، مع منع تحصيل أي رسوم تزيد عن الحدود القصوى المقررة في الدليل الجديد .
ويأتي هذا التحديث ليحل محل التعرفة البنكية القديمة، في ظل التزام “ساما” بدوره الإشرافي والرقابي في خلق بيئة مصرفية عادلة وتنافسية، تركز على الشفافية والإفصاح الكامل.
أبرز القرارات الجديدة
شمل الدليل المحدث تخفيضات كبيرة في الرسوم الإدارية والخدمية التي تمس حياة الملايين من الأفراد.
ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:
تخفيض رسوم التمويل الشخصي والعقاري والتأجير التمويلي للمركبات:
تم خفض الحد الأقصى للرسوم الإدارية لمنح التمويل الاستهلاكي (بما يشمل التمويل العقاري وتأجير المركبات) لتصبح 0.5% من مبلغ التمويل أو 2,500 ريال (أيهما أقل)، بعد أن كانت 1% أو 5,000 ريال. وهذا التخفيض بنسبة 50% يمثل وفرًا كبيرًا للمقترضين .
تخفيض رسوم البطاقات المصرفية:
إعادة إصدار بطاقة “مدى” (المفقودة أو التالفة): أصبحت الرسوم 10 ريالات فقط كحد أقصى بدلاً من 30 ريالاً .
السحب النقدي ببطاقات “مدى” دوليًا:
تم تحديد سقف للرسوم بـ 25 ريالاً كحد أقصى.
العمليات الشرائية الدولية:
تم تحديد نسبة 2% من قيمة العملية كحد أقصى .
تخفيض رسوم الخدمات المصرفية اليومية:
- تأسيس أمر دفع مستديم عن طريق الفرع: خُفضت الرسوم إلى 5 ريالات بدلاً من 15 ريالاً.
- طلب نسخة شيك تم صرفه خلال مدة أقل من سنة: أصبحت 5 ريالات بدلاً من 20 ريالاً.
- كشف الحساب: أصبح مجانياً عبر القنوات الإلكترونية لأي مدة، و15 ريالاً فقط عبر الفرع بعد أن كان يتراوح بين 30 و50 ريالاً .
خدمات مجانية بالكامل (25 خدمة أساسية):
بالإضافة إلى التخفيضات، ألزم “ساما” البنوك بتقديم 25 خدمة مصرفية أساسية مجانًا تمامًا، مثل فتح الحساب الجاري والمحفظة الإلكترونية، إصدار بطاقة مدى، إيداع الشيكات، إلغاء الأوامر المستديمة، الاستعلام عن الرصيد، وتحديث البيانات.
وهذه الخطوة تقضي على الرسوم الخفيفة التي كانت تتراكم وتشكل عبئًا على الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة .
الأثر الاقتصادي المرتقب لهذه القرارات
تمثل هذه التعديلات أكثر من مجرد تخفيض للرسوم؛ إنها إعادة هيكلة للعلاقة بين المواطن والقطاع المصرفي، وانعكاساتها الاقتصادية عميقة ومتعددة المستويات.
- رفع الدخل المتاح للمواطنين وزيادة القوة الشرائية:
يعد خفض الرسوم الإدارية على التمويل الشخصي والعقاري بمثابة دعم مباشر للمقترضين، حيث يوفر آلاف الريالات لكل عميل. كما أن تخفيض الرسوم اليومية على البطاقات والتحويلات وكشوف الحساب يقلل من النفقات الشهرية والسنوية للأفراد.
وعلى المستوى الكلي، تعني هذه التوفيرات تراكمًا لمئات الملايين من الريالات التي تبقى في جيوب المواطنين، مما يعزز الإنفاق الاستهلاكي ويحفز الطلب المحلي ويدفع عجلة النمو الاقتصادي .
- تحفيز الطلب على التمويل الاستهلاكي والعقاري:
بتخفيض تكلفة الحصول على التمويل إلى النصف، يصبح الاقتراض لشراء منزل أو سيارة أو تمويل الاحتياجات الشخصية أكثر جاذبية.
وهذا التحفيز ينعش القطاعات المرتبطة مثل العقارات والسيارات والتجزئة، ويدعم الشركات العاملة فيها، مما يخلق دورة إيجابية من النمو وخلق فرص العمل .
- دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال:
تعتبر المنشآت الصغيرة والمتوسطة (SMEs) العمود الفقري للاقتصاد، وكانت تعاني من تراكم الرسوم المصرفية التي تثقل كاهلها. جعل الخدمات الأساسية مثل فتح الحساب والتحويلات المحلية وإصدار الشهادات مجانية، يخفض تكاليف التشغيل بشكل كبير، ويحرر رؤوس أموال كانت تُستهلك في رسوم غير ضرورية.
الدعم المباشر من «ساما» يعزز قدرة هذه المنشآت على النمو والتوسع والابتكار، ويساهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 بزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي .
- تسريع وتيرة التحول الرقمي والشمول المالي:
بجعل الخدمات الإلكترونية مجانية أو منخفضة التكلفة مقارنة بالخدمات الفرعية، يحفز “ساما” الأفراد والشركات على التحول إلى القنوات الرقمية.
وهذا لا يقلل فقط من الازدحام في فروع البنوك، بل يعزز أيضًا البنية التحتية الرقمية للدولة ويدفع نحو تحقيق مستهدفات التحول لمجتمع لا نقدي، حيث أصبحت نسبة انتشار المدفوعات الرقمية تتجاوز 80% .
كما أن إزالة الحواجز المالية أمام فتح الحسابات والتعامل مع النظام المصرفي يشجع الفئات غير المتعاملة مع البنوك على الانضمام إلى المنظومة المالية الرسمية.
تعزيز الشفافية والثقة في القطاع المالي:
إلزام البنوك بالإفصاح الكامل عن الرسوم والحصول على موافقة العميل المسبقة، وإشعاره فور خصم أي رسوم عبر الرسائل النصية، يخلق بيئة من الشفافية والثقة.
وهذه الثقة هي الركيزة الأساسية لجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعميق العلاقة بين المواطن ونظامه المصرفي .
خطوة استراتيجية نحو مستقبل مالي أكثر كفاءة
تمثل قرارات البنك المركزي السعودي بتخفيض الرسوم المصرفية خطوة استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز كونها مجرد توفير مالي للأفراد.
إنها أداة فاعلة لإعادة توجيه السيولة، وتحفيز النشاط الاقتصادي، ودعم ريادة الأعمال، وتسريع التحول الرقمي.
ومع بدء تطبيق هذه القرارات اعتبارًا من 20 فبراير 2026، يدخل القطاع المصرفي السعودي مرحلة جديدة من النضج والكفاءة، تتماشى مع طموحات رؤية 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع ومستدام، وتؤكد ريادة “ساما” في حماية المستهلك المالي وتعزيز استقرار القطاع .

