منى الثبيتي – الوئام:
لم تكن حياة الفهد مجرد اسمٍ يتصدر شارة عمل درامي، بل كانت ملامح زمنٍ كامل، وصوتًا يعرفه البيت الخليجي جيدًا. لعقود، أدّت أدوار المرأة القوية والمنكسرة، الصابرة والمتمرّدة، حتى صارت شخصياتها تشبه الناس… وتُشبههم أكثر مما يتوقعون، إلا أن غيابها عن الشاشة هذا العام، ترك بصمة واضحة، ليأتي موسم دراما رمضان .. بلا حياة.
ومن بين تلك الشخصيات، بقيت «خالتي قماشة» واحدة من أكثر الوجوه رسوخًا في الذاكرة؛ امرأة شعبية حاضرة في تفاصيل البيوت، قاسية أحيانًا، حنونة في العمق، تشبه الجدّات والأمهات اللواتي حكمن الأسر بالصوت والنظرة قبل القوانين. لم تكن شخصية تلفزيونية بقدر ما كانت امتدادًا لواقع عاشه جيلٌ كامل.
اليوم، تقف تلك البطلة في مشهد مختلف، بعيدًا عن الكاميرا، في معركة لا تُكتب لها حوارات، ولا تُعاد لقطاتها. معركة صامتة، تخوضها على سريرٍ أبيض، بعد رحلة علاج في المملكة المتحدة لم يُكتب لها النجاح بسبب شدة الإصابة بالجلطة، لتعود بعدها إلى الكويت، الوطن الذي احتضن خطواتها الأولى، وشهد صعودها الفني، وكبر معها على إيقاع أعمالها.
يحلّ شهر رمضان هذا العام بصورة مختلفة على الشاشة الخليجية، مع تسجيل غياب الفنانة الكويتية حياة الفهد عن الموسم الرمضاني للعام الثاني على التوالي، في سابقة نادرة خلال مسيرتها الفنية الممتدة لأكثر من 27 عامًا، لم تتوقف خلالها عن الحضور الرمضاني سوى عامين فقط.
ويأتي هذا الغياب لا بوصفه خيارًا فنيًا، بل نتيجة ظروف صحية حرجة فرضت ابتعادها عن التمثيل، ما كسر تقليدًا ظلّ راسخًا في ذاكرة المشاهد الخليجي، الذي اعتاد أن يكون اسم حياة الفهد حاضرًا ضمن طقوس المشاهدة الرمضانية عامًا بعد عام .
وفي بيان نُشر مؤخراً عبر حسابها الرسمي على منصة «إنستغرام»، أعلنت مؤسسة الفهد آخر التطورات الصحية، مؤكدة أن الفنانة القديرة عادت إلى أرض الكويت الحبيبة، وبناءً على التقارير الطبية تقرر استكمال علاجها داخل البلاد، حيث ترقد حاليًا تحت الرعاية الطبية المكثفة في العناية المركزة، مع منع الزيارات وفق توصيات الفريق الطبي.
المشهد مؤلم… لأن من اعتدنا رؤيتها قوية على الشاشة، صانعةً للوجع ومُفسّرة له، تعيشه الآن واقعًا. هي التي جسّدت الأم، والجدة، والمرأة التي تقاوم مجتمعها وقدرها، تقف اليوم في لحظة هشّة، تذكّر الجميع بأن الفن لا يمنح أصحابه حصانة من الألم.
ومع كل خبر، يستعيد جمهورها مشاهدها القديمة؛ نبرة صوتها، نظرتها الحادة، وصمتها الذي كان أبلغ من الكلام. يستعيدون خالتي قماشة، والنساء اللواتي مررن في أعمالها، كأنهن يقفن اليوم عند باب غرفتها، يدعين لها بصمت.
ربما غابت اليوم عن الشاشة، لكن حضورها لم يغِب. فبعض الفنانين لا يحتاجون إلى ظهورٍ مستمر ليبقوا أحياء في الذاكرة، يكفي أنهم صنعوا وجدان جيلٍ كامل، وتركوا أثرًا لا يُمحى، حتى وهم في أقسى لحظات الوجع.

