أحمد الفهيد
(١)
بعض الصفقات تبدأ خبرًا، ثم تتحول إلى رسالة.
ما فعله «كريم بنزيما» في أول مباراة له مع الهلال ليس مجرد بداية ناجحة، إنما هو إعلان صريح بأن ارتداء المهاجم الفرنسي للقميص الأزرق، لم يكن انتقال لاعب، بقدر ما كان انتقال قوة هائلة من التأثير، وصناعة الأثر.
(٢)
حين يسجل مهاجم «ثلاثية» في بداية عقده الجديد، يقال إنه تأقلم سريعًا، لكن حين يفعلها لاعب جاء من نادٍ منافس مباشر، فالأمر يتجاوز التأقلم إلى تقمص الهيبة.
بنزيما لم يسجل فقط، بل ألغى المسافة الزمنية التي يحتاجها النجوم عادةً لفرض أنفسهم، والإفصاح عن قدرِهم وقدراتهم.
دخل المشهد وكأنه كان جزءًا منه منذ سنوات، لا منذ أيام.
(٣)
هذا النوع من البدايات لا يمنح الفريق نقاطًا وكفى، إنما يمنحه شعورًا بالتفوّق النفسي .. سيد آسياد آسيا، وأزرقها المهيب، لم يكسب مهاجمًا جاهزًا وحسب، لقد كسب شاهدًا جديدًا على قصته التاريخية العظيمة، ومعناها الفخم الفاخر:
«إن أي نجم، مهما كانت سيرته، ومسيرته السابقة، يمكنه أن يبدأ فصله الأهم هنا، في الهلال».
(٤)
أما الاتحاد، فالمسألة فيه تتجاوز خسارة لاعب كبير ومهم .. الضربة الحقيقية ليست في رحيله، بل في تألقه السريع بعد الرحيل، لأن النجاح الفوري يحوّل الانتقال من قرار شخصي إلى مقارنة مفتوحة لا تنتهي.
(٥)
في الدوريات الكبرى، لا تغيّر الصفقات النتائج فقط، إنها تغيّر توزيع الخوف بين المنافسين .. اللاعب الذي يسجل ثلاثية «مبكرة» لا يمنح فريقه الثقة وحسب، بل يمنح خصومه القلق .. و«بنزيما» لم يثبت أنه ما زال هدافًا، هذه حقيقة لا جدال فيها، ما أثبته حقًا هو أنه قادر على إعادة تشكيل المشهد بمجرد حضوره.
(٦)
.. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للانتقال، إنها ليست في الأهداف الثلاثة التي سجلها «الكريم»، وإنما في الرسالة التي حملتها: «أن الهلال لا يضم النجوم ليكتمل، وإنما ليؤكد أنه المركز الذي تدور حوله الحكاية كلها».
(٧)
في كرة القدم، كما في كل صراع على النفوذ، لا يكفي أن تملك أفضل اللاعبين .. الأهم من ذلك أن تجعل أفضل اللاعبين يبدون وكأنهم وُلدوا ليلعبوا عندك.
(٨)
كان حضوره إلى الاتحاد يحمل معنى الاستقطاب، إشارة إلى أن الدوري قادر على جذب رموز اللعبة، لكن في الهلال، المعنى تغيّر: لم يأتِ ليكون الوجه الدعائي، بل أتى ليكون «مركز الثقل» داخل فريق معتاد على الفوز .. وهذا فارق هائل. طائل القيمة، طويل القامة، رفيع المقام والقمة.
(٩)
اللاعب، حين يجيء إلى فريق «يبحث عن بطل»، يُمنح الوقت حتى يصبح بطلًا، لكن حين يأتي إلى فريق «يعتقد أنه بطل أصلًا»، فهو يُختبر منذ اللحظة الأولى .. بنزيما نجح في الاختبار فورًا،
«الثلاثية» لم تكن مجرد أهداف، إنما هي إعلان أن اللاعب الذي كان يومًا الأفضل في العالم لم يأتِ ليعيش على ذكراه، بل ليكتب فصلًا جديدًا منها.
(١٠)
اللاعبون الكبار غالبًا يصلون إلى نهاية مسيرتهم وهم يطاردون نسخة قديمة من أنفسهم.
أما «كوكو»، فيبدو كمن يواصل التقدم نحو نسخة جديدة منه كل مرة، والهلال لم يكسب مهاجمًا فقط، لقد كسب لاعبًا يحمل خبرة قيادة الفرق الكبرى، وهدوء النجوم الذين لم يعد لديهم ما يحتاجون أن يثبتوه، سوى إثبات رغبتهم في الفوز مجددا، لذلك فإنه يعرف يقينًا أن المجد لا يُحفظ في المتاحف، بل يعاد إنتاجه كلما ظن الناس أنه انتهى، يعرف وهو الذي أفنى بهجة من عمره في قلب «ريال مدريد» ملك أوروبا ومبجلها الشريف، أنه في رحاب «الهلال» ملك آسيا ومبجلها الشريف، حيث يُكتب التاريخ، ويصنع المجد بين كبير إسبانيا، وكبير السعودية دائمًا، ولا تُخلع بُردة الفخر عنهما أبدًا.
(١١)
بعد ساعات، ستكون المواجهة الأولى للكريم أمام فريقه القديم، وهي فرصة ليتلو بيانه الكروي في لحظة مبكرة حاسمة، ليقول للاتحاديين: «كنت طريقكم إلى الذهب، وجئت لمن سيكونون طريقي إلى الذهب»، وليقول للهلاليين: «كنت أسجل فيكم، وأحتفل بفخر، لأنني صنعت لحظة عظيمة ضد فريق بطل، اليوم أنا سأسجل لكم، وسأحتفل بفخر، لأنني صنعت لحظة تاريخية مع فريق بطل».
- اليوم سيكون يوم الحريق، إن سجل ثلاثية أخرى، ستأكل «نار الغضب» الأخضر في الاتحاد قبل أن تأكل اليابس منه، وستواجه إدارته حملة افتراس شرسة، وإن لم يسجل شيئًا سيدفن حيًا تحت مدرجات الهلال.
(١٢)
بالنسبة لي سجل في «العميد» أو لم يسجل، أنا على يقين أنه سيكون مذهلًا، فيما سيأتي، وسيُحمل على الأعناق، لأنه يتقن صنع النهايات السعيدة، ولأن نجاحه لا يقاس فقط بعدد الأهداف التي سجلها أو سيسجلها، وإنما بالأثر الذي يتركه خلفه في كل محطة، وعمالقة اللعبة لا ينتقلون بحثًا عن نهاية هادئة، إنهم يبحثون عن بداية تثبت أن الزمن لم ينتصر عليهم بعد، و«بنزيما» سيثبت
ذلك، سيثبته للهلاليين وللاتحادين .. وللزمن.

