في 22 فبراير 1727، لم يكن إعلان الإمام محمد بن سعود لتأسيس الدولة السعودية الأولى في الدرعية مجرد توحيد جغرافي، وإنما إرساءً لـ “عقيدة أمنية واقتصادية” غيَّرت وجه الجزيرة العربية. في ذلك الزمن، كان تأمين وادي حنيفة وطرق الحج والتجارة هو التحدي الاستراتيجي الأول للدولة الناشئة. أما اليوم، وفي عام 2026، تتجسد الجينات الإدارية ذاتها في سياسة المملكة، ولكن على مسرح عالمي؛ حيث انتقلت المهمة من تأمين القوافل المحلية إلى حماية “سلاسل الإمداد العالمية” وأمن الطاقة الدولي.

جذور الاستقرار.. تأمين وادي حنيفة
تذكر المصادر التاريخية الموثقة أن مدينة الدرعية بُنيت على ضفتي وادي حنيفة، واتخذ حي “غصيبة” نواة لها، لتشكل امتدادًا لاستقرار قبيلة بني حنيفة منذ القرن الخامس الميلادي. وعندما تولى الإمام محمد بن سعود الحكم عام 1727م (1139 هـ)، عمل على توحيد شطري المدينة وتنظيم شؤونها الداخلية.
كان القرار الأكثر تأثيرًا في تلك الحقبة هو القدرة على تأمين طرق الحج والتجارة، ما حوَّل منطقة نجد إلى واحدة من أكثر المناطق أمنًا.
هذا الاستقرار أسهم في ازدهار الأسواق مثل “سوق الموسم”، واستقطاب التجار والعلماء إلى الدرعية، لتصبح مركزًا حضاريًا آمنًا. شهدت الدرعية آنذاك توسعًا عمرانيًا لافتًا، وأحيطت بسور بلغ طوله نحو 13 كيلومترًا، وبرزت معالم معمارية طينية شامخة مثل “قصر سلوى”.

هذا التحول التاريخي يثبت أن توفير البيئة الآمنة لحركة التجارة كان الشرط الأول للنمو الاقتصادي في عقلية الدولة السعودية منذ يومها الأول.
إن المبدأ الذي أرساه المؤسس قبل ثلاثة قرون، هو ذاته الذي يحرك عجلة الاقتصاد السعودي اليوم. فقد أطلق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان “المبادرة الوطنية لسلاسل الإمداد العالمية”، والتي تستهدف تعزيز موقع المملكة بوصفها مركزًا رئيسًا وحلقة وصل حيوية في سلاسل الإمداد العالمية.
تهدف هذه المبادرة إلى جذب استثمارات نوعية بقيمة 40 مليار ريال خلال أول عامين، مع تخصيص ميزانية حوافز تبلغ 10 مليارات ريال للمستثمرين.
وكما كانت الدرعية نقطة التقاء آمنة، أكد ولي العهد أن المبادرة ستعطي مرونة أكبر للاقتصادات والمستهلكين، وتضمن توفير واستدامة وصول السلع لكل أنحاء العالم بفاعلية وبمزايا تنافسية عالية، ضمن مستهدفات “رؤية السعودية 2030” لتنويع الاقتصاد الوطني وجعل المملكة ضمن أكبر 15 اقتصادًا عالميًا.

أمن الطاقة والمعادن.. درع الاقتصاد العالمي
لا يقتصر التأمين اليوم على السلع التقليدية؛ فالسعودية تلعب دورًا محوريًا في حماية “أمن الطاقة المستقبلية”. وتشير التحليلات الاقتصادية الحديثة إلى أن الرياض تتقدم بسرعة لتصبح مركزًا إقليميًا رئيسيًا في تطوير وتأمين سلاسل إمداد “المعادن الحرجة”، ما يجعلها لاعبًا لا يمكن الاستغناء عنه في إعادة تشكيل خريطة النفوذ الصناعي وكسر الاحتكار العالمي، وتقليل الاعتماد المفرط على مورد واحد.
وفي السياق اللوجستي التنفيذي، طوَّرت شركة “أرامكو السعودية” حلولًا مستدامة لحماية سلاسل التوريد، حيث أسست بالتعاون مع كيانات عالمية شركة “أسمو” لتكون أول كيان وطني رائد متخصص في المشتريات والخدمات اللوجستية.
وتتطلع هذه الشركة لعام 2030 كأفق استراتيجي لتشغيل مرافق لوجستية ضخمة بسعة تخزينية تتجاوز 8 ملايين متر مربع، مدعومة ببرامج عملاقة مثل برنامج “اكتفاء” الذي رفع المحتوى المحلي بمشتريات أرامكو إلى 67%، مما يرسخ بنية تحتية محلية بمعايير عالمية تحمي تدفقات الصناعة والطاقة.

من 1727 إلى 2026.. تواصل الأجيال
وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تهدد الممرات المائية حول العالم، يرى المراقبون أن الشراكات الاستراتيجية الحديثة للمملكة مع القوى العظمى تؤكد أن السعودية هي المكان الأمثل لتبني تقنيات أمن سلاسل الإمداد. فما تملكه المملكة من بنية تحتية متطورة، وطاقة رخيصة، وموقع جغرافي فريد، يجعلها الشريك الأبرز لضمان تدفق التجارة العالمية.
إن احتفاء السعوديين بـ “يوم التأسيس” ليس مجرد استحضار لتاريخ موغل في القدم، بل هو تذكير حي بأن الجذور الاستراتيجية التي غُرست في حي “غصيبة” بالدرعية لحماية القوافل العابرة، هي ذاتها التي تتفرع اليوم عبر القارات لضمان استقرار الاقتصاد العالمي، لتثبت أن “عقيدة التأمين” هي جينة متأصلة في هوية الدولة السعودية.

