منى الثبيتي – الوئام:
كان المساء الرمضاني في تلك البيوت يبدأ قبل الأذان بوقتٍ لا يُقاس بالدقائق، بل بالشوق. الأم ترتّب الأطباق بطمأنينة، والأب يرفع صوت التلفزيون قليلًا، والأطفال يصطفّون متجاورين كأنهم في انتظار ضيفٍ عزيز لا يخلف موعده. لم تكن الشاشة مجرد نافذة، بل بوابةً واسعة تدخل منها الحكايات، وتتشكّل عبرها ذاكرة شهرٍ كامل.
في تلك السنوات، لم يكن رمضان زمن الصيام فقط، بل زمن البرامج التي تحوّلت إلى طقسٍ يومي لا يكتمل الإفطار بدونه، حتى أصبح في وقتنا الحاضر أقرب إلى مستودع لنوستالجيا لأبناء الثمانينيات والتسعينيات.
على مائدة الإفطار.. حين كانت الحكمة تُقدَّم قبل التمر
وقبل أن تلامس التمرة الشفاه، كان صوتٌ هادئ يملأ المكان. صوت الشيخ علي الطنطاوي في «على مائدة الإفطار» لم يكن برنامجًا يُشاهد، بل مجلسًا يُعاش بكل تفاصيله. كان يتحدث كأنه يجلس بين أفراد العائلة، لا يخطب من شاشة بعيدة؛ يروي قصةً إنسانية، أو موقفًا من الحياة، ثم ينسج منها معنى رقيقًا يستقر في القلب دون ضجيج.
كان المشاهد يشعر أنه ليس مستمعًا عابرًا، بل مخاطَبٌ شخصيًّا، وكأن الشيخ يعرف تعبه في نهار الصيام وانتظاره للأذان. وحين يختم حديثه، يسود صمتٌ قصير.. صمت الامتنان، قبل أن يعلو صوت المؤذن وتبدأ لحظة الإفطار.
مسابقة القرآن.. لحظة يتسابق فيها العقل قبل الصوت
ثم تتبدل أجواء السكون إلى حماسةٍ واعية، حين يبرز صوت الإعلامي الدكتور سليمان العيدي، ليعلن بداية تحدٍ من نوعٍ مختلف. يُعرض مشهدٌ على الشاشة، فتتحرك في المجالس عيونٌ متفكرة: أي آيةٍ تختبئ خلف هذا الحدث؟ تتسابق العقول بصمت، وكأن كل بيتٍ يشارك في المسابقة دون أن يعلن حضوره.
لم تكن مسابقة القرآن الكريم للكبار اختبار معلومات، بل استدعاءً حيًّا للذاكرة القرآنية.
لحظات التردد، ثم ذكر الآية، كانت كفيلة بأن تُشعر المشاهد أن القرآن حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، لا في المصحف فقط. وكانت الإجابة الصحيحة تُقابل في البيوت بإيماءة رضا، أو ابتسامة فخر، وكأن الفوز مشترك بين المتسابق والمجلس.
حروف.. لعبة صغيرة أشعلت منافسات كبيرة
ومع مرور الوقت، تبدأ معركة ثقافية لا تُعلن رسميًّا، لكنها تدور في كل منزل قبل أن تبدأ في الاستوديو. فريقان يتنافسان لإكمال خطوطهما قبل أن يقطعها الفريق الآخر، كل فريق بلونه؛ أخضر أو أحمر، فيما العائلات تتابع وكأنها طرفٌ ثالث في المنافسة.
برنامج «حروف» حوّل الحرف الواحد إلى ساحة سباق ذهني. الأب يسبق بالإجابة، الابن يعترض، والأم تحسم الجدل بابتسامة الواثق.
كانت الأسئلة تنساب، والإجابات تولد تحت ضغط الحرف المختار، فتتحول اللغة إلى لعبةٍ ذكية تجعل الثقافة قريبة من القلب وخفيفة على الروح. لم يكن البرنامج مجرد ترفيه، بل تمرينًا يوميًّا على التفكير دون أن يشعر المشاهد أنه يتعلّم.
بابا فرحان.. حين كانت الطفولة تفطر على الضحك
وفي نهارات رمضان، بعد عودة الأطفال من مدارسهم، كان هناك موعد لا يقبل التأجيل. يجتمع الصغار حول التلفزيون، يقتربون من الشاشة كأنهم يخشون أن تفوتهم ضحكة واحدة من «بابا فرحان». لم يكن مجرد مسلسل دمى، بل صديقًا يوميًّا يعرف أسماء ضحكاتهم وملامح دهشتهم.
شخصياته كانت مألوفة كأفراد العائلة، وأغانيه تتردد في الممرات والمطابخ، حتى صارت جزءًا من ذاكرة الطفولة الرمضانية. وكان ذكر اسمه وحده كفيلًا بأن يعيد إلى الأذهان رائحة السمبوسة وهي تُقلى، وصوت الأم تنادي: «قرب الأذان.. خلّوا اللعب».
طاش ما طاش.. الضحك الذي يوقظ الأسئلة
ومع اقتراب الليل، كانت الشاشة ترتدي وجهًا آخر.. وجه الضحك الذي يخفي أسئلةً عميقة. يبدأ «طاش ما طاش»، فتتعالى الضحكات في المجالس، لكنها لم تكن ضحكاتٍ عابرة. كانت ضحكات تعرف طريقها إلى العمق؛ حلقة تناقش التربية، وأخرى تلامس قضية العمالة، وثالثة تفتح ملفات المحسوبية أو العادات الاجتماعية.
كان المسلسل يسير على خيطٍ رفيع بين الكوميديا والنقد، فيضحك المشاهد أولًا، ثم يجد نفسه يفكر طويلًا بعد أن تُطفأ الشاشة. كان مرآةً يرى فيها المجتمع ملامحه بوضوح.. دون أن يشعر بثقل المواجهة.
سباق المشاهدين.. حين أصبح المشاهد جزءًا من الحكاية
وفي ذروة الحماس، يتحول المتفرج إلى بطلٍ محتمل. يرن الهاتف في البرنامج، فيسكن المجلس فجأة، وتعلو نبضات الترقب: هل يكون الاتصال من نصيب أحدٍ يشبهنا؟ بصوتٍ حيوي، يطرح الإعلامي حامد الغامدي أسئلته، فتتسارع الإجابات في البيوت قبل أن ينطق بها المتصل.
لم يكن «سباق المشاهدين» مجرد مسابقات وجوائز، بل إحساسًا بالمشاركة الحقيقية؛ أن تكون في بيتك، ومع ذلك تشعر أنك داخل الاستوديو، تتنافس وتفكر وتنتظر النتيجة بلهفة.
وكانت مساعدة الضيوف من فنانين وإعلاميين ولاعبي كرة قدم تضيف لحظات حماسية تختصر المسافة بين الشاشة والناس.. حتى تكاد تلغيها.
هكذا كان رمضان لجيل الثمانينيات والتسعينيات، شاشةٌ واحدة، لكنها كانت تتسع لعائلة كاملة، بل لذاكرة وطنٍ بأكمله. منها تبدأ الموعظة، وتنبثق المسابقة، ويولد الضحك، وتترسخ القيم بهدوءٍ لا يشعر به أحد إلا بعد مرور السنوات.
تلك البرامج كانت أكثر من محتوى يُعرض ثم يُنسى، بلغت في قوانين الحنين في وقتنا الحاضر أشبه بطقوسٍ يومية تشكّل الإحساس بالشهر الكريم، وتربط بين صوت المؤذن، ورائحة الإفطار، وصورٍ لا تزال عالقة في الوجدان.
ومع تعدد القنوات وتزاحم المنصات اليوم، تبقى تلك المرحلة تهمس في ذاكرة جيلٍ كامل: كان لرمضان طعمٌ آخر.. حين كانت الحكاية تبدأ من التلفزيون، وتستقر في القلب، وتبقى هناك حتى اليوم.

