أحمد الفهيد
(١)
«فينيسيوس جونيور» لاعب موهوب، هذه حقيقة (لا دجل فيها ولا جدال عليها)، المشكلة أنه يتصرف أحيانًا كأن الموهبة وحدها تكفي لحماية صاحبها من نفسه.
(٢)
.. وفي نادٍ يسيطر على زهو اللعبة وفخرها وتاريخها، هو «ريال مدريد» لا يكفي أن تكون موهوبًا، يجب أن تكون هادئًا، باردًا، ومحصنًا ضد الضوضاء، والأهم أن تكون حاسمًا.
التاريخ هناك لا يكتب أسماء اللاعبين الذين يثيرون الجدل، بل الذين يثيرون الفرح في المدرجات، ويثرون أنديتهم بغنائم الذهب.
(٣)
موهبته فطرية، متفجرة، يمكنها تحويل المستحيل إلى ممكن، بفكرة، بقرار، بلمسة.
يكفي أن تكون الكرة بين قدميه لتشعر أن الملعب صار أضيق على المدافعين من «سمّ الخياط»، وأوسع على جماهير فريقه من حدود الخيال.
(٤)
لكن المأساة، أن هذه الموهبة – التي كان يفترض أن تكون هي قصته الوحيدة – صارت مجرد فصل داخل رواية صاخبة من الحكايات الجانبية .. هو لا يلعب فقط ضد الخصم، إنه يلعب ضد الجماهير، وضد الاستفزاز، وضد صورة رسمها لنفسه لا يستطيع الخروج منها.
(٥)
في النادي الملكي، مصنع الفرح الأصلي والأصيل، يرون «أن هذا المهاجم الماهر يحتاج فقط إلى التركيز على اللعب»، لكن الحقيقة أن المشكلة لم تعد في التركيز، إنما في الهوية! هل يريد أن يكون نجمًا؟.. أم قضية؟.. لاعبًا عظيمًا؟.. أم بطل رواية صاخبة؟
(٦)
في كل مباراة، يبدو كمن يركض بين خيارين:
أن يكون لاعبًا عظيمًا .. أو أن يكون بطل قصة.
والمصيبة لا تكمن في ردود فعله، فالعاطفة جزء من تكوين اللاعب المبدع .. المصيبة أن العاطفة حين تتحول إلى عرض دائم، تسرق من الموهبة وقتها الطبيعي للنمو.
(٧)
المدرب التاريخي، الإيطالي كارلو أنشيلوتي، ملكُ إدارة كرة القدم في العالم، وأحد الفائزين بما في خزائنها من كؤوس، يرى أن «فينيسيوس لاعب يملك طاقة حُب هائلة، وعندما يوجهها داخل الملعب يصبح حاسمًا»، وهذه الجملة تختصر حكايته كلها، لأن طاقته «حين تنضبط» تصنع الفارق، و«حين تتشتت» تُنتج الضجيج.
(٨)
اللاعب الكبير لا يُذكر بسبب ما يحدث حوله، إنما بسبب ما يتركه في الملعب.
أما «فيني»، فصار يُذكر بقدر ما يُناقش .. ومع كل جدال، وكل مشادة، وكل لقطة خارج سياق اللعب، تتراجع المسافة بينه وبين صورته المثالية «الجناح الذي لا يُمسك، ولا يُستفز، ولا يُشتت».
(٩)
قد يكون هذا الشاب البرازيلي المتوهج أحد أعظم مواهب جيله، لكن الموهبة وحدها لا تصنع الأسطورة، إنها تُصنع حين ينجح اللاعب في حصر العالم داخل الخطوط البيضاء، لا حين يسمح للعالم أن يدخل معه إلى الملعب.
(١٠)
الكرة الحديثة لا تعاقب الموهبة بقدر ما تعاقب فقدان التركيز. ولهذا قال العظيم يوهان كرويف، مرة: «اللاعب الذكي هو من يقرر متى يركض ومتى يفكر»، وفينيسيوس يركض دائمًا، لكن التفكير أحيانًا يصل متأخرًا.
(١١)
حتى الآن، لا يزال مهاجم ريال مدريد لاعبًا رائعًا، لكن السؤال ليس ما الذي يستطيع أن يفعله بالكرة، السؤال الصحيح هو: ما الذي يستطيع أن يفعله بنفسه؟!.
علماء النفس يفسرون هذا بوضوح: «كل ما لا نواجهه داخلنا، سيظهر لنا في الخارج على شكل قدر»، وفي كرة القدم، يظهر هذا «القدر» على شكل مشادات، وغضب، وصراعات جانبية.
(١٢)
«الانفعال السريع عدو القرار الجيد»، وفي ملعب سريع ككرة القدم، القرار جزء من الموهبة .. فينيسيوس، للأسف، يفعل العكس، يقتل إيقاعه بيده .. كل مرة ينفلت فيها نحو مشادة، أو يتحول فيها من جناح قاتل إلى ممثل في مسرح الاستفزاز، فهو يمنح المدافع ما عجز عن منحه باللعب: التحكم في رأسه!
(١٣)
اللاعب العظيم يقلق الخصم بموهبته .. أما اللاعب المُبعثَر ذهنيًا، فيقلق فريقه أولًا!.. وهنا يبدو الخطر: فينيسيوس لم يعد يواجه المدافعين فقط، بل يواجه صورته، صورة اللاعب الذي يرى في كل احتكاك معركة شخصية، وفي كل صافرة حكم مؤامرة، وفي كل استفزاز مبررًا للانفجار.
هذا ليس وصفًا للاعب كبير، بل وصف للاعب لم يحسم بعد معركته مع ذاته .. والكرة الحديثة لا ترحم هذا النوع من التشتت، المدافع الذكي لا يحاول إيقافك، يحاول فقط أن يجعلك تفقد أعصابك، ثم تخرج من المباراة بنفسك.
وهذا ما يفعله مرارًا «إمبراطوار الرقم 7 الجديد»، يهزم نفسه قبل أن يهزمه أحد.
(١٤)
قد يبقى لاعبًا حاسمًا، وقد يواصل تسجيل الأهداف وصناعة اللحظات .. لكن بين اللاعب الحاسم وبين اللاعب الأسطوري مسافة اسمها: «النضج»، وحتى الآن، لا يبدو أنه يركض نحوها، ما يبدو حقًا أنه يركض حولها.
لم يعد الأمر متعلقًا بكم مدافع يستطيع تجاوزه؟!.. إنما كم مرة يستطيع أن يتجاوز الغضب الذي يصطلي في داخله؟!
(١٥)
نادي مثل ريال مدريد، ومنتخب مثل البرازيل، لا يُقاس اللاعب فيهما بما يستطيع فعله بالكرة، إنما بالذي لا يسمح للعالم أن يفعله به، ولهذا تبدو قصته مأساة حديثة، لاعب يملك ما يكفي ليكون أسطورة، لكنه يمنح الضوضاء ما يكفي لتسرقها منه.

