الدكتور محمد حسين سمير- أستاذ الإدارة والتغيير الاستراتيجي بجامعة لندن
تعاني الكثير من المؤسسات الحديثة بسبب فجوة خفية بين ما يمتلكه الموظفون من قدرات، وما يقدّمونه فعليًا في مواقع العمل.
والمشكلة ليست في نقص المهارة، بل غياب المعنى، حيث يتحول العمل إلى التزام يومي خالٍ من الشغف، ويصبح التحفيز إجراءً مؤقتًا لا أثر له على المدى الطويل، وهنا يبرز مفهوم الإيكاجاي (Ikigai) كمدخل إداري يعيد الربط بين الإنسان والأداء.
الإيكاجاي هو نقطة التقاء أربعة عناصر رئيسية: ما يحبه الموظف، وما يجيده، وما تحتاجه المؤسسة، وما يُكافأ عليه.
ومن منظور إداري، لا يُعد فلسفة إنسانية مجردة، بل أداة عملية لإطلاق الدافعية الذاتية وتحقيق أداء مستدام. فعندما يعمل الموظف داخل دائرة الإيكاجاي، يصبح الالتزام نابعًا من القناعة، لا مفروضًا بالرقابة.
التحفيز التقليدي، القائم على المال أو المكافآت السريعة، ينجح مؤقتًا لكنه يفشل استراتيجيًا، لأنه يتجاهل مصادر الطاقة الداخلية للموظف، أما الإيكاجاي، فينطلق من إعادة اكتشاف الإنسان داخل الدور الوظيفي، عبر فهم المهام التي تمنحه الحيوية، والقدرات التي يستخدمها بسهولة، والطاقات التي لا تجد مساحة للتعبير، وهذه المقاربة تكشف إمكانات كامنة غالبًا ما تُهدر داخل الهياكل الجامدة.
ويتطلب تطبيق الإيكاجاي مرونة ذكية في تصميم الوظائف، بحيث لا يُسأل فقط: هل الموظف مناسب للدور؟ بل: كيف يمكن تطوير الدور ليستثمر أفضل ما فيه؟ كما يستلزم ربط الأهداف التنظيمية بالغاية والمعنى، لا بالأرقام وحدها.
ويؤدي القائد دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ يتحول من مُراقب للأداء إلى مُمكّن لاكتشاف الذات المهنية للموظفين. فالعمل بمعنى يقلل الاحتراق الوظيفي، ويعزز الانتماء، ويرفع جودة الأداء.
في النهاية، المؤسسات القوية لا تُدار باللوائح فقط، بل بإدارة المعنى. وحين يعمل الموظف لأنه يؤمن بما يفعل، يتحول الأداء من عبء يومي إلى رسالة مستدامة.

