أحمد الفهيد
(١)
في كرة القدم، لا تُمنح الجماهيرية بقرار، ولا تُصنع بالدعاية، ولكن تُنتزع عبر الزمن، إنها حصيلة تاريخ طويل من البطولات، وذاكرة مكتظة بلحظات الانتصار، ومدرجات لا تكف عن الامتلاء.
(٢)
ولهذا، حين يُطرح سؤال «من الأكثر جماهيرية في السعودية؟!»، فإن الإجابة تذهب مباشرة إلاسم واحد، يفرض حضوره بثقله التاريخي والرياضي: «نادي الهلال السعودي»، النادي الذي لم يُصنع مكانته على لقب طارئ، أو جيل استثنائي مؤقت، وإنما على تراكم طويل من المجد المحلي، والذهب القاري، والزهو العالمي، حتى غدا مع الوقت ظاهرة كروية تتجاوز حدود النادي إلى فضاء واسع شاسع من التأثير والشعبية.
(٣)
ما تقدم ليس حكمًا عاطفيًا، إنما هو قراءة لما حشده النادي الأزرق عبر الزمن من حضور رياضي وشعبي يصعب تجاوزه أو حتى معادلته، فهو لم يكن مجرد نادٍ يحقق البطولات؛ إنما مؤسسة كروية نجحت في بناء قصتها الخاصة.. قصة الفوز، والاستمرارية، والحضور العالمي الباذخ.
(٤)
عالميًا، لم يعد اسم «الهلال» غريبًا في خرائط الكرة الدولية، مشاركاته المتكررة في كأس العالم للأندية صنعت له حضورًا مألوفًا لدى المتابع في أصقاع الدنيا كلها، خصوصًا بعد بلوغه المباراةالنهائية في إحدى النسخ، ثم حضوره الاستثنائي في النسخة الأخيرة، حين أطاح بـ«مانشيستر سيتي» (العملاق الأوروبي) برباعية تاريخية.
مثل هذه اللحظات لا تُسجل في أرشيف النتائج فحسب؛ بل تُنقش في ذاكرة اللعبة نفسها، ويضاف إلى ذلك تحطيمه رقمًا عالميًا في سلسلة الانتصارات المتتالية، وهو إنجاز لا يتحقق مصادفة، بل نتيجة منظومة فنية وإدارية حافظت على ثقافة الانتصار داخل النادي.
(٥)
أما محليًا، فالمعادلة أكثر وضوحًا، فهو النادي الأكثر تتويجًا بالبطولات في السعودية، وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بتفسير جزء كبير من شعبيته.
البطولات تخلق الذاكرة الجماعية للمشجعين؛ وكل لقب يتحقق يجذب إلى المدرج جيلًا جديدًا من الأنصار، وفي العقد الأخير تحديدًا، بدأ «الزعيم» وكأنه يُسيطر على الفرح والفخر، بطولات قارية،ألقاب دوري متتالية، وبعضها دون هزيمة، فيما كانت أندية أخرى تمر بدورات من الغياب أو التعثر، الأمر الذي جعل بوصلة الانتصار تشير غالبًا إلى كبير العاصمة «الرياض».. إلى «سيد آسيا» تحديدًا.
(٦)
لكن المقياس الأصدق للجماهيرية ليس الألقاب وحدها، بل المدرج، والمدرج الهلالي في المواسم الأخيرة يُقدم دلالة لافتة على ضخامته وفخامته، وبهائه ومهابته، فملعب النادي لا تتجاوز طاقته الاستيعابية 25 ألف مقعد تقريبًا (ربما أقل)، ومع ذلك تمتلئ نسبة كبيرة منه في معظم المباريات،رغم أن أسعار التذاكر هي الأعلى في المملكة.
وفي المباريات الكبيرة أو الحاسمة تنفد التذاكر بالكامل، حتى إنه حين يلعب خارج أرضه في ملاعب أكبر يسجل أرقام حضور ضخمة، كما حدث في مباريات «بطولة النخبة الآسيوية» على «ملعب الإنماء» في جدة، الموسم الفائت.
(٧)
هذه المفارقة تقول شيئًا مهمًا: الجماهيرية الحقيقية لا تُقاس بالضجيج في وسائل التواصل، إنما بالخطوات التي تقطعها الجماهير نحو الملعب. ومع ذلك، فإن هذا المشهد الإيجابي لا يمنع تسجيل ملاحظة جوهرية: «أسعار التذاكر مبالغ فيها.. جدًا!»
(٨)
مبيعات التذاكر هي أحد أعمدة الاستدامة المالية في كرة القدم الحديثة، هذه حقيقة ليست موضع نقاش أبدًا، غير أن الفكرة لا تكمن في حضور المشجع «المقتدر» فقط، بل في حضور المشجع المتحمس؛ ذلك الذي يحول المدرج إلى قوة تدفع اللاعبين نحو أقصى حدودهم.
المدرب الإسباني بيب غوارديولا، اختصر العلاقة بين المدرج والملعب، في اقتباس مذهل: «الجماهير قادرة على دفع اللاعبين إلى مستوى لم يكونوا يظنون أنهم قادرون عليه».. نعم، كرةالقدم بلا جمهور ليست سوى تمرين تكتيكي طويل.
(٩)
المدرب الأسطوري الأسكتلندي بيل شانكلي، قال مرة: «بعض الناس يظنون أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، إنها أكبر من ذلك بكثير»، ليس لأن الكرة أعظم من الحياة، بل لأن ما يتجمع حولها منشغف وانتماء يصنع معنى يتجاوز حدود اللعبة نفسها.
والهلال، بما يملكه من تاريخ طويل من البطولات، وبحضوره المبهج عالميًا، لم يصل إلى هذه المكانة؛ لأنه فاز كثيرًا فقط، بل لأنه نجح في بناء علاقة حيّة مع جماهيره؛ علاقة صنعت من اسمه ظاهرة تتجاوز الملعب.
(١٠)
هذه العلاقة، مثل كل علاقة حيّة، تحتاج دائمًا أن تبقى قريبة من الناس، فالتذكرة ليست مجرد ثمن للدخول، إنها مفتاح لطقس جماعي تتجدد فيه هوية النادي في كل مباراة، وحين يمتلئ المدرج بالهتاف، تتحول كرة القدم إلى ما كانت عليه دائمًا: احتفالًا جماعيًا بالانتماء.
(١١)
الدوريات الأوروبية الكبرى، تحرص على إبقاء العلاقة بين النادي وجماهيره علاقة حية لا علاقة استهلاكية بحتة، ففي الدوري الإنجليزي الممتاز (مثلًا) تُعد أسعار التذاكر موضوع نقاش دائم بين الأندية والجماهير، وغالبًا ما تُخصص شرائح سعرية متنوعة تضمن حضور مختلف الطبقات.
وفي ألمانيا، حيث يلعب «بايرن ميونخ» و«بروسيا دورتموند» تصنف التذاكر بين الأقل سعرًا في أوروبا، لأن الفلسفة هناك تقوم على فكرة بسيطة، هي أن «المدرج الممتلئ جزء من هوية اللعبة».
(١٢)
الجمهور ليس زينة للمباراة؛ إنه أحد لاعبيها غير المرئيين، ومن هنا فإن التوازن هو المطلوب، تبقى التذاكر موردًا اقتصاديًا مهمًا، لكن دون أن يتحول المدرج إلى مساحة حصرية للأكثر قدرة على الدفع، فالنادي العظيم لا يُقاس فقط بعدد بطولاته، بل بقدرته على إبقاء أبوابه مفتوحة لمن يصنعون روحه الحقيقية: «الجماهير».
(١٣)
التحدي الحقيقي لا يكمن في بيع المقعد.. إنما في إبقاء المدرج حيًا.. والنادي العظيم لا تُقاس عظمته بعدد الكؤوس التي تلمع في خزائنه فحسب، ولكن بعدد القلوب التي تنبض باسمه في المدرجات.
الكأس لحظة مجد، أما الجمهور فهو العُمر كله، وحين يمتلئ المدرج بالشغف، يتحول الملعب إلى فضاء مختلف؛ كرة القدم فيه ليست خطة وتكتيكًا، وإنما طاقة نفسية هائلة تصنع الفارق في اللحظات الحاسمة.
(١٤)
اللاعب قد يركض تسعين دقيقة بلياقته، لكنه يقاتل بالدافع الذي تمنحه له الجماهير.. ولهذا فإن الحفاظ على حضور الجمهور ليس قرارًا إداريًا موضع تصويت، لا، لا، هو خيار استراتيجي يمس روح اللعبة ذاتها، فالتذكرة رافد مالي مهم، نعم، لكنها في نهاية الأمر جسرٌ بين النادي وناسه، وإذا ارتفع الجسر أكثر مما يجب، انقطع العبور. لذلك، فإن أعظم استثمار يمكن لأي نادٍ أن يفعله ليس في اللاعب الأغلى، وإنما في الجمهور الأقرب.
(١٥)
كرة القدم أكثر من مجرد منافسة على كأس، وأكثر من مجرد أرقام تُسجل في دفاتر الإحصاء، إنها ظاهرة إنسانية كاملة، يتجاور فيها الشغف مع الهوية، ويتحول فيها النادي إلى فكرة يعيش داخلها الناس، ولذلك فإن الجماهير ليست تفصيلًا في المشهد، بل روحه العميقة.. المدرج ليس «كراسي مرقمة»؛ إنه المجال الذي تتنفس فيه اللعبة معناها.. وحين يمتلئ بالصوت والاندفاع، يتبدل ميزان المباراة في لحظة، لأن اللاعبين لا يلعبون أمام الجمهور فحسب، بل يلعبون من أجله.
(١٦)
أخيرًا: الفرق الكبيرة تصنع البطولات، أما الجماهير فهي التي تصنع الفرق الكبيرة.
(١٧)
أخيرًا أُخرى: «الهلال كبير»، هذا ليس رأيًا، إنها الحقيقة والحق معًا.

