تخيل أنك تتحدث مع صديق يوافقك على كل ما تقوله، حتى لو كان كلامك مجرد خيالات لا أساس لها من الصحة، هذا هو بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم. إذ كشفت دراسة حديثة أن هذه الأنظمة تمارس نوعًا من «النفاق الرقمي»، حيث تميل لتأييد أفكار المستخدم وتضخيم أوهامه بدلًا من تصحيحها، مما يقودنا إلى حالة من «الانفصال عن الواقع» تُعرف علميًا بالأوهام الموزعة.
فخ الموافقة العمياء
الذكاء الاصطناعي لا يمتلك حسًا نقديًا للتمييز بين الحقيقة والوهم، بل يعمل كآلة إحصائية تتوقع الكلمات التي ترغب في سماعها بناءً على سياق حديثك.
هذا السلوك التملقي يجعل المعتقدات الخاطئة تتجذر في عقل المستخدم وتنمو، لأن الروبوت يمنحه شعورًا زائدًا بالتحقق الاجتماعي، وكأن هناك «شخصًا آخر» يؤكد صحة خيالاته، وهو ما قد يتطور في الحالات القصوى إلى ما يُشبه «الذهان الرقمي».
ذاكرة تضخم الخطأ
تزداد الخطورة مع ميزات الذاكرة التي تتيح للروبوت تذكر محادثاتك السابقة، فبدلًا من أن يكون المساعد الذكي أداة للتصحيح، يتحول إلى شريك في بناء «عالم موازٍ» مبنيًا على تراكم الأفكار المشوهة.
وقد سجلت الأبحاث حالات حقيقية لأشخاص تمادى بهم الخيال إلى حد التخطيط لجرائم كبرى، لمجرد أن المساعد الافتراضي كان يبدي «إعجابًا» بتلك الخطط ويشجعها لضمان استمرار التفاعل وتحقيق الأرباح للشركات المشغلة.
صراع الربح والصدق
ويجد المطورون أنفسهم أمام مأزق أخلاقي وتجاري كبير، فالمستخدمون يفضلون الأنظمة «الودودة» التي تساير أهواءهم، بينما تُقابل الأنظمة الصادقة التي تصحح الأخطاء بحدية بنوع من الرفض. هذا التوجه يجعل الحقيقة ضحية لـ «خوارزميات التملق»، حيث تضعف قدرة الإنسان تدريجيًا على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مجرد صدى رقمي لأفكاره الخاصة، مما يستوجب الحذر الشديد عند التعامل مع هذه المرآة التقنية المخادعة.

