الروائية – هيفاء إبراهيم فقيه
ليلة السابع والعشرين من رمضان تأتي كنسمةٍ من عالمٍ آخر، كأن الزمن يتوقف عند عتبتها، تتجلّى السماء بنورٍ يفيض على القلوب، وتغدو الأرواح خفيفة كأنها تتوضأ بالنور.
في هذه الليلة، يشعر المؤمن أن الكون كله ينصت، وأن الليل يلبس ثوبًا من السكينة لا يشبه أي سكون، وحتى السكون يبوح بأن هذه الليلة خُلقت من نورٍ مختلف.
يمضي الناس نحو المساجد بخطواتٍ يختلط فيها الرجاء بالخشوع، وتُضاء القلوب قبل أن تُضاء المآذن.
وفي اللحظة التي يبدأ فيها القرآن يتردد في أرجاء المكان، يشعر المرء أن كل آية تحمل نورًا مضاعفًا، وأن كل سجدة تمتد جذورها إلى السماء. كيف لا، والله تعالى يقول: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وكأن العمر كله يختصر في ركعة صادقة، أو دمعة خاشعة، أو دعاء يخرج من أعماق القلب.
وفي هذه الليلة العظيمة تتنزّل الملائكة كما أخبر الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، وكأن السماء تقترب من الأرض حتى يكاد القلب يشعر بلمسة رحمةٍ تمرّ عليه، أو نسمة مغفرةٍ تعبر روحه. إنها ليلة تتسع فيها الرحمة حتى تشمل ما ضاق به القلب طوال العام.
وليس سرًّا أن هذه الليلة ارتبطت في وجدان المسلمين بليلة القدر، فقد قال أُبيّ بن كعب رضي الله عنه “والله إني لأعلم أي ليلة هي.. وهي ليلة سبع وعشرين” ورغم أن العلماء يرون أن ليلة القدر تكون في الليالي الوترية من العشر الأواخر في رمضان، إلا أن ليلة السابع والعشرين بقيت الأقرب إلى القلوب، والأكثر إشراقًا في الذاكرة الروحية للأمة.
وفي العشر الأواخر كان رسول الله ﷺ يغيّر أسلوب حياته، كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها “كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.” وكأن النبي ﷺ يعلّم الأمة أن الطريق إلى النور لا يُقطع بالتمني، بل بالاجتهاد، وأن لحظة الصفاء لا تُهدى، بل تُطلب بصدقٍ وإلحاح.
وفي ليلة السابع والعشرين، تتجلى المشاهد التي لا تُنسى: دموع تنساب في صمت، أيدٍ ترتفع نحو السماء، أصوات ترتّل القرآن كأنها تفتح أبواب الرحمة، وقلوب تتسابق إلى المغفرة.
وفي البيوت، يحيي الناس ليلهم بين صلاة وذكر واستغفار، مردّدين الدعاء الذي علّمه النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني” وكأن هذا الدعاء وحده يكفي ليغسل القلب من كل ما أثقله.
وقد ورد في السنة أن من علامات ليلة القدر أن تكون ليلة هادئة ساكنة، وأن تخرج الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، لكن العلامة الأصدق تبقى في القلب: “الصفاء المفاجئ، والطمأنينة التي تهبط على الروح بلا سبب، والشعور بأن الله قريب يجيب دعاء من دعائه”، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
ليلة السابع والعشرين ليست مجرد تاريخ، بل نافذة نور تُفتح مرة كل عام، تذكّر الإنسان بأن الطريق إلى الله لا يُغلق، وأن الرحمة أوسع من الذنب، وأن لحظة صدق واحدة قد تغيّر مصيرًا بأكمله.
وفي ختام تلك الليلة المباركة من كل عام، يبقى الرجاء أن يكون ما رُفع فيها من دعاء قد كُتب في لوح القدر، وأن يكون الله قد كتب لنا فيها نصيبًا من رحمته ورضوانه.

