سلمان الشريدة
منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الخامس والعشرين من مايو عام 1981م، لم يكن هذا الكيان الإقليمي مجرد إطار تنسيقي بين ست دول تجمعها الجغرافيا أو الثقافة فحسب، بل كان استجابة سياسية واستراتيجية لمرحلة إقليمية مضطربة فرضت على دول الخليج أن تفكر بعقل الدولة وبحسٍّ جماعي يحمي أمنها واستقرارها ومستقبل شعوبها.
ففي أواخر سبعينات القرن الماضي شهدت المنطقة تحولات عميقة، كان أبرزها استيلاء الخميني على الحكم في إيران عام 1979م وما رافقه من تصديرٍ واضح لفكرة “الثورة” خارج الحدود، ثم اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م التي كشفت مبكراً طبيعة المشروع الثوري التوسعي للنظام الإيراني آنذاك. أمام هذه المتغيرات، أدركت دول الخليج أن أمنها لا يمكن أن يُدار بمنطق الدولة المنفردة، بل بمنظومة جماعية قادرة على التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني.
ومن هنا جاء تأسيس مجلس التعاون، ليصبح خلال سنوات قليلة أحد أكثر التكتلات الإقليمية استقراراً واستمرارية في العالم العربي. ولم يقتصر الأمر على التنسيق السياسي والاقتصادي، بل امتد إلى بناء منظومة دفاعية مشتركة، تجسدت في تأسيس قوات درع الجزيرة عام 1982م كقوة عسكرية مشتركة هدفها حماية أمن دول المجلس وردع أي تهديدات خارجية.
وعلى مدى أربعة عقود، واجهت المنظومة الخليجية اختبارات صعبة، لكنها نجحت في تجاوزها بقدرٍ كبير من التماسك والمرونة السياسية. فحين وقع غزو الكويت عام 1990م، أثبتت دول المجلس أن أمن أي دولة خليجية هو أمن جماعي لا يقبل التجزئة، وهو المبدأ الذي ظل حاضراً في كل بيانات المجلس ومواقفه. كما واجهت دول الخليج تحديات أخرى في العقد الماضي، خصوصاً مع تداعيات ما سُمّي بـ“الربيع العربي”، حيث تمكنت من الحفاظ على استقرارها ودعم استقرار دولها الأعضاء، كما حدث في البحرين وعُمان، عبر مزيج من المعالجات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ولم تكن التحديات سياسية وأمنية فقط، بل اقتصادية أيضاً. فقد مرت المنطقة والعالم بأزمات مالية عالمية متعاقبة، من أزمة 2008م إلى تداعيات جائحة كورونا وغيرها، لكن اقتصادات دول الخليج أثبتت قدرة كبيرة على التكيّف، مستندة إلى سياسات اقتصادية متوازنة ورؤى تنموية طموحة.
كما لعبت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي دوراً يتجاوز حدود التنسيق بين دوله، إذ شكّلت في كثير من الأحيان منصة فكرية ومؤسسية لصياغة المبادرات والمقترحات التي انتقلت لاحقاً إلى أطر أوسع داخل جامعة الدول العربية. فكثير من القرارات العربية الفاعلة خرجت في أصلها من دراسات ومداولات خليجية قبل أن تتحول إلى مواقف عربية جامعة.
وفي الوقت ذاته، استطاعت المنظومة الخليجية أن تبني شبكة علاقات دولية متوازنة مع العديد من القوى والمنظمات الدولية، لتصبح شريكاً اقتصادياً ودبلوماسياً مهماً على الساحة العالمية. ويبرز في هذا السياق تعزيز الشراكة الخليجية مع الاتحاد الأوروبي، سواء في مجالات الاقتصاد والطاقة أو في التنسيق السياسي حول قضايا المنطقة، ومنها المواقف الدولية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني والاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
أما على الصعيد الأمني، فقد استمرت دول المجلس في تطوير منظومتها الدفاعية المشتركة. فبعد تأسيس قوات درع الجزيرة، جرى تطويرها في 2006م لتصبح قوات درع الجزيرة المشتركة، ثم الانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل العسكري مع إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون عام 2013م، في خطوة تعكس إدراكاً خليجياً عميقاً بأن الأمن الجماعي ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً عابراً.
وقد تجلّى هذا الإدراك بوضوح في الأزمة الأخيرة حين تعرضت دول الخليج، رغم حيادها، إلى استهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة من قبل إيران. وهو أمر كشف مفارقة لافتة؛ فدول الخليج كانت قد بذلت جهوداً دبلوماسية واسعة لتجنب اتساع دائرة الحرب، بل إن وزير الخارجية الإيراني آنذاك عباس عراقجي حضر إلى اجتماع وزراء خارجية دول المجلس والتقى بهم، كما أشار الأمين العام للمجلس جاسم البديوي، حيث تلقى تطمينات ووعوداً شفهية بأن دول الخليج لن تكون جزءاً من أي عمليات تستهدف إيران، وهو التزام التزمت به هذه الدول بالفعل.
لكن الأحداث أثبتت مرة أخرى أن المنطقة لا تزال تواجه تحديات من أطراف لا يمكن الوثوق بسلوكها السياسي أو التزاماتها. ومع ذلك، لم تدفع هذه الاستفزازات دول الخليج إلى الانزلاق نحو ردود فعل غير محسوبة، بل واصلت نهجها القائم على الاتزان والحكمة واحترام القانون الدولي، وهو النهج الذي أكسبها احتراماً متزايداً على المستوى الدولي.
ولعل من أبرز المؤشرات على هذا الثقل الدولي ما شهدته المؤسسات الدولية أخيراً من إجماع غير مسبوق في مجلس الأمن على إدانة الاعتداءات الإيرانية، في تحول يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لطبيعة التهديد الذي شكله النظام الإيراني لعقود على استقرار المنطقة وأمن الاقتصاد العالمي.
وفي خضم هذه الأزمة برزت أيضاً صور عملية للتكامل الخليجي على أرض الواقع، حيث سخّرت المملكة العربية السعودية مطاراتها لاستقبال الأشقاء من مواطني دول مجلس التعاون والمقيمين فيها ممن تعطلت رحلاتهم، ووفرت لهم التسهيلات اللازمة باعتبارهم في بلدهم الثاني. كما لعبت الموانئ السعودية على البحر الأحمر دوراً مهماً في تسهيل العمليات اللوجستية والتجارية لدول الخليج، بما ساهم في استمرار تدفق السلع والاحتياجات الاقتصادية بعيداً عن مناطق التوتر. وفي الوقت ذاته، أعلنت المملكة استعدادها لتسخير إمكاناتها لحماية منظومة الأمن الغذائي الخليجي وضمان استقرار سلاسل الإمداد، في خطوة تعكس المعنى الحقيقي لفكرة أن أمن دول المجلس واستقرارها الاقتصادي ليس مسؤولية دولة بعينها، بل مسؤولية جماعية يتقاسمها الجميع.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، يمكن القول إن هذه المنظومة تحولت إلى نموذج إقليمي ناجح في إدارة التوازن بين التنمية والأمن. فبينما تعمل دول المجلس على تنفيذ مشاريع اقتصادية وتنموية طموحة تهدف إلى تنويع اقتصاداتها وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوبها، فإنها في الوقت ذاته تواصل تعزيز قدراتها الدفاعية وصياغة سياساتها الخارجية على أساس الاعتدال واحترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار.
لقد أثبتت التجربة الخليجية أن الاستقرار لا يُبنى بالشعارات الثورية ولا بالمغامرات العسكرية، بل بالسياسات الرشيدة، والتنمية المستدامة، والتكامل بين الدول المتجاورة. وهي دروس ربما تحتاج بعض دول المنطقة إلى استيعابها، خصوصاً تلك التي اختارت لعقود طريق الصراع بدلاً من طريق التعاون.
ففي الوقت الذي تمضي فيه دول الخليج نحو مستقبل اقتصادي وتنموي واعد، يعيش النظام الإيراني اليوم أزمات داخلية خانقة، من اقتصاد منهك إلى شعب يرزح تحت ضغوط الفقر والعقوبات، وصولاً إلى تهديدات عسكرية مباشرة بعد سنوات طويلة من السياسات التصعيدية.
وبين هذين المسارين المتناقضين، يبدو الفارق واضحاً بين من اختار بناء الدولة والتنمية والاستقرار، ومن اختار طريق الأزمات والصراعات. وهذا هو، في جوهره، الدرس الأبرز الذي تقدمه تجربة مجلس التعاون الخليجي للمنطقة والعالم.

