د. سعود النداح
في كل عام يأتي العيد محمّلًا بصورة مألوفة نعرفها جيداً. ملابس جديدة وزيارات ورسائل تهنئة وموائد عامرة. نمارس تفاصيله كما تعودنا ونشعر بفرحته كما ينبغي ولكن يبقى السؤال الأعمق : هل نعيش العيد فعلاً أم نكتفي بأداء طقوسه ؟
العيد فرصة نادرة لإعادة ترتيب ما بيننا. بيننا وبين أنفسنا وبيننا وبين الناس وبيننا وبين تلك المشاعر التي تراكمت بصمت طوال العام. هو لحظة مراجعة هادئة تفتح باباً لمن أراد أن يخفف شيئاً من أثقاله.
كثير من العلاقات تذبل تدريجياً بسبب الانشغال أو سوء الفهم أو تأجيل الحديث. تمر الأيام ثم تصبح المسافة أمراً واقعاً. يأتي العيد ليكسر هذا الجمود. رسالة بسيطة، اتصال قصير، أو زيارة عفوية قد تعيد ما انقطع دون حاجة إلى تبرير طويل أو استرجاع للتفاصيل.
وليس المقصود هنا أن نعيد كل العلاقات كما كانت، إنما أن نُعيد لأنفسنا قدرتنا على الصفح. هناك فرق بين أن نُبقي الأشخاص في حياتنا، وبين أن نُبقي مشاعرنا معلقة بهم. العيد فرصة أن نُغلق ما يجب إغلاقه بسلام وليس بقطيعة داخلية مستمرة.
وفي جانب آخر يمنحنا العيد فرصة نادرة لنرى من حولنا بعيون مختلفة. الأب الذي اعتدنا حضوره، الأم التي تبذل دون تذمر، الأصدقاء الذين لم ننتبه لغيابهم إلا حين طال. العيد يعيد ترتيب الأولويات دون أن يطلب منا ذلك مباشرة، فقط يضعنا أمام حقيقة هي أن ما يبقى في النهاية هم من نشاركهم الحياة.
شاهدو الأطفال في العيد كيف يذكّروننا بشيء فقدناه مع الوقت. قدرتهم على الفرح دون تعقيد واندهاشهم من التفاصيل الصغيرة يعكس بساطة الشعور التي تآكلت لدينا تحت ضغط المسؤوليات. ربما لا نحتاج أن نعود كما كنا، لكننا نحتاج أن نستعيد شيئاً من تلك الخفة.
وفي النهاية إن استطاع العيد أن يجعلنا أقرب، وأكثر صفحاً، فقد أدركنا معناه الحقيقي. وإن مرّ كأي يوم آخر فقد حضرنا العيد لكن لم يحضر فينا

