سلمان الشريدة
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، يأتي الاجتماع الثلاثي في جدة بين سمو ولي العهد، وأمير دولة قطر، وملك الأردن، ليعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث لم يعد الحديث يدور حول “حلول نهائية” بقدر ما أصبح يتمحور حول “إدارة ذكية للأزمة”. فالمشهد الراهن، بما يحمله من تصعيد عسكري وضغوط سياسية واقتصادية، يفرض على الفاعلين الإقليميين تبني مقاربات واقعية تتسم بالمرونة والقدرة على التكيّف.
أولى ملامح هذه المقاربة تتمثل في تعزيز التنسيق الثلاثي، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا في الجوانب اللوجستية والاقتصادية. فالتحديات التي تواجه المنطقة، خصوصًا في ظل استهداف البنى التحتية وسلاسل الإمداد، تستدعي بناء منظومة بدائل قادرة على ضمان استمرارية التدفقات الحيوية، سواء في الطاقة أو التجارة أو الخدمات. وهنا يبرز الدور السعودي المحوري، بما تمتلكه المملكة من بنية تحتية متقدمة وخيارات استراتيجية على البحر الأحمر، في دعم هذا التوجه وتعزيزه.
في المقابل، يبدو أن خيار “ضبط النفس” لم يعد مجرد موقف أخلاقي أو سياسي، بل أصبح ضرورة استراتيجية. فالتصعيد غير المحسوب قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، ويقود إلى سيناريوهات لا تخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها. لذلك، فإن الحفاظ على مستوى مدروس من التهدئة، مع الاستعداد الكامل للتصدي لأي تهديد، يمثل معادلة دقيقة تسعى الدول الثلاث إلى تحقيقها.
وفي سياق متصل، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، حيث تتزامن هذه التطورات مع ضغوط على الأسواق العالمية، وتهديدات مباشرة لأمن الطاقة وسلاسل التوريد. من هنا، فإن تعزيز القدرة على الصمود الاقتصادي، وتبادل الدعم بين الدول، يشكل أحد أعمدة هذه المقاربة، خصوصًا في ظل إدراك أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضًا.
أما على المستوى الدولي، فإن التصعيد العسكري الأمريكي تجاه إيران، بالتوازي مع الضغوط السياسية المتزايدة، يعيد تشكيل موازين القوة ويضع طهران أمام تحديات غير مسبوقة. وفي هذا السياق، يبدو أن الرهان على عامل الوقت لم يعد في صالحها، مع اتساع دائرة العزلة وتزايد الكلفة الداخلية والخارجية لسلوكها الإقليمي.
في المحصلة، يمكن القول إن اجتماع جدة يعكس انتقالًا مهمًا في التفكير السياسي من البحث عن حلول مثالية إلى إدارة واقعية للأزمات، تقوم على التوازن بين الردع والتهدئة، وبين الصمود والمرونة. وهي مقاربة قد لا تُنهي الأزمة سريعًا، لكنها بلا شك تمنع انفجارها، وتبقي الباب مفتوحًا أمام أي مسار دبلوماسي ممكن.

