فاضل العماني
في مثل هذا العصر الذي يتطور وينمو بشكل لحظي ومكثف، وتحت ظل قوة العلم ومبدأ السيطرة، تتمظهر بإلحاح الحاجة للحصول على كل ملامح ومكامن التقدم والازدهار التي تضع الأمم والشعوب في صدارة كل المجالات والمستويات. ومن بين تلك الروافد والروافع التي تساعد على صنع التطور والتنمية في مسيرة الدول والمجتمعات، تأتي مراكز التفكير (Think Tanks) في طليعة ذلك الاحتياج والدور الذي تُمثله هذه المراكز الحيوية المهمة التي تُعدّ البوابة الحقيقية للنجاح والتميز للأفراد والمجتمعات والدول وكذلك لمختلف المنظمات والمؤسسات والمراكز. وكـما قــــال الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت (René Descartes) أنا أفكر، إذن أنا موجود. ففلسفة التفكير هي أساس الوجود وحقيقة المعرفة، تماماً كما هي الدافع للمعرفة والمحرض على اتخاذ القرار.
وفي بدايات القرن الماضي، بدأت مراكز الفكر أو التفكير في الانتشار، خاصة في أوروبا المتقدمة، ولكن سرعان ما أدركت بقية دول العالم ضرورتها وأهميتها، حيث وجدت فيها ضالتها واعتبرتها أشبه بجسر عبور باتجاه التطور والتقدم، بل والقوة والتأثير، هذا طبعاً غير توظيفها واستخدامها في صنع السياسات والاستراتيجيات.
وحسب الكثير من المؤشرات والتصنيفات، يوجد أكثر من عشرة آلاف مركز تفكير في العالم، وهي مراكز متنوعة الأهداف والأغراض والمهام، وهي تتوزع وتتنوع بشكل عمودي وأفقي، فمنها المستقل والجامعي والحكومي والسياسي والاستراتيجي والاقتصادي والبيئي والعسكري والثقافي والرياضي وغيرها الكثير الكثير في مختلف المجالات والقطاعات. ومن أشهر تلك المراكز والمعاهد: معهد بروكينغز (Brookings Institution) في أمريكا، ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace) في أمريكا، والمعهد الملكي للشؤون الدولية (Chatham House) في بريطانيا، وبروغل (Bruegel) في بلجيكا، ومعهد الصين للدراسات الدولية China Institutes of Contemporary International Relations))، ومعهد لوي (Lowy Institute) في أستراليا، ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في السويد.
أما مراكز التفكير العربية باعتبارها قوى ناعمة ومنتجة ومولدة للفكر والمعرفة، فهي قليلة وحديثة نسبياً ولكنها تشهد نمواً جيداً لقناعة صُنّاع القرار بضرورة تواجدها كأحد أهم روافد ودوافع صنع القرارات والاستراتيجيات.
في المقال القادم، سأكتب عن واقع مراكز التفكير في السعودية، خاصة وهي تأتي بشكل أو بآخر ضمن مستهدفات واستراتيجيات التحوّل الوطني ورؤيتنا الطموحة.

