في غضون 36 يومًا فقط، تحوّلت الطرق البرية السعودية من ممرات تجارية اعتيادية إلى شريان اقتصادي لا غنى عنه لدول الخليج العربي. فمنذ 28 فبراير 2026، وحتى مطلع أبريل الجاري، سجّلت المنافذ الحدودية للمملكة عبور نحو 166 ألف شاحنة بضائع متجهةً نحو دول الجوار، في ظل الاضطرابات اللوجستية الواسعة التي خلّفتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وكشفت هذه الأرقام عن تحوّل بنيوي عميق في خريطة الإمداد الإقليمية؛ إذ باتت القافلة البرية السعودية تملأ الفراغ الذي خلّفه إغلاق الممرات البحرية وتعطّل حركة الشحن في أعقاب التصعيد العسكري.
التوزيع الجغرافي
كشفت البيانات عن توزيع جغرافي دقيق لحركة الشاحنات يضع الإمارات في صدارة المستقبِلين، إذ استقبلت ما يقارب 60 ألف شاحنة منذ انطلاق الرقم التراكمي في 28 فبراير.
وجاءت الكويت في المرتبة الثانية بنحو 25 ألف شاحنة، ثم الأردن بما يقارب 24,500 شاحنة. وحلّت البحرين رابعةً بنحو 19,500 شاحنة، تلتها قطر بنحو 17 ألف شاحنة، وأخيرًا العراق بنحو 6 آلاف شاحنة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأردن – وهي خارج نطاق دول مجلس التعاون الخليجي – احتلّت المرتبة الثالثة في هذه القائمة، مما يكشف أن الشبكة البرية السعودية امتدّت لتشمل ممرات النقل الإقليمي الأشمل.
وتوضح هذه البيانات أن موانئ البحر الأحمر باتت نقطة الاستقبال الرئيسية للبضائع القادمة من الأسواق الدولية، قبل توزيعها بريًا إلى المشرق العربي بعد أن انقطعت الخيارات البحرية الشرقية عن معظم هذه الدول.
منافذ وأرقام
على صعيد المنافذ الحدودية، رصدت بيانات هيئة «زاتكا» في الفترة الممتدة بين الأول والخامس والعشرين من مارس وحده، عبور 88,109 شاحنات عبر المنافذ البرية السعودية، وهو ما يمثّل نحو 53% من الإجمالي التراكمي المُسجَّل حتى مطلع أبريل.
وتصدّر منفذُ البطحاء المتجه نحو الإمارات هذه الحركة بـ 41,229 شاحنة، ليُجسّد بمفرده ما يزيد على نصف أرقام تلك الفترة.
وجاء جسر الملك فهد نحو البحرين ثانيًا بـ 13,486 شاحنة، تلاه منفذ سلوى نحو قطر بـ 11,227 شاحنة. أما منافذ الكويت فسجّلت مجتمعةً 15,692 شاحنة، توزّعت بين منفذ الخفجي بـ 10,437 شاحنة، ومنفذ الرقعي بـ 5,255 شاحنة.
ولم يكن منفذ الربع الخالي المتجه نحو عُمان بعيدًا عن المشهد، إذ أسهم بـ 6,475 شاحنة خلال الفترة ذاتها.
أسطول نصف مليون
وفي خضمّ هذه الأرقام المتصاعدة، تبرز البنية اللوجستية السعودية بوصفها الرافعة الصامدة لهذه العملية غير المسبوقة.
أوضح نائب الرئيس لقطاع التنظيم في الهيئة العامة للنقل، عبدالمجيد الطاسان، في تصريحات صحفية، أن «أسطول النقل البري في المملكة يتجاوز نصف مليون شاحنة، وقادر على نقل كافة أنواع البضائع لتلبية الطلب في دول مجلس التعاون الخليجي».
وأضاف أن «الظروف الراهنة للنقل الجوي والبحري في الخليج أدّت إلى اعتماد أكبر على النقل البري بين دول المجلس»، مشيرًا إلى أن الهيئة تمتلك منصة إلكترونية لمتابعة حركة نقل البضائع بشكل مستمر.
وأكد الطاسان أن الأسطول «قادر على التكيف مع التغيرات والمستجدات في الطلب ومسارات النقل»، معتبرًا إياه «حلقة وصل رئيسية بين أنماط النقل المختلفة، سواء عبر الموانئ أو المطارات أو المناطق اللوجستية».
مبادرات الجسر البري
ولم تكتفِ السلطات السعودية بالاعتماد على الكثافة العددية للأسطول، بل أطلق وزير النقل والخدمات اللوجستية سالم الجاسر، في 26 مارس الماضي، حزمة مبادرات نوعية خلال اجتماع وزراء النقل الخليجيين الاستثنائي المنعقد عبر الدائرة التلفزيونية.
وفي مقدمة هذه المبادرات، إطلاق دليل إلكتروني موحّد للناقلين عبر منصة «لوجستي» يُصنّف أنواع الشحنات وفق إمكانيات كل ناقل، وتوفير ممرات تشغيلية إضافية للحاويات المحوّلة من الموانئ الشرقية إلى ميناء جدة الإسلامي وموانئ البحر الأحمر.
وشملت الحزمة كذلك رفع العمر التشغيلي المسموح به للشاحنات إلى 22 عامًا، والسماح لشاحنات التبريد الفارغة القادمة من دول الخليج بدخول المملكة لنقل البضائع الغذائية المتجهة إليها.
وأُنشئت مناطق تخزين وإعادة توزيع خليجية داخل ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام، مع إعفاء البضائع الخليجية من رسوم التخزين لمدة تصل إلى 60 يومًا.
قطارات وخطوط جديدة
وامتدّت المبادرات لتشمل قطاع السكك الحديدية، إذ أعلنت شركة سار للشحن إطلاق ممر لوجستي دولي جديد عبر قطارات الشحن يربط موانئ الخليج العربي بمنفذ الحديثة البري.
وعلى الصعيد البحري، أُضيفت أربع خطوط شحن جديدة في ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، فضلًا عن خطوط ملاحية تربط ميناء الشارقة بالدمام وميناء أم قصر مع البحرين.
كما استوعبت المطارات السعودية أكثر من 300 رحلة لشركات الطيران الخليجية، وأسهمت منظومة النقل في إجلاء ما يزيد على 25 ألف مسافر عبر 900 حافلة من المنافذ البرية.
الاتفاق التركي السعودي
وفي تطور أوسع يُعزّز الشبكة اللوجستية الإقليمية، أُبرم في 3 أبريل الجاري اتفاق سعودي تركي يفتح ممرات العبور البري أمام الصادرات التركية المتجهة نحو دول الخليج عبر الأراضي السعودية.
ويُحوّل هذا الاتفاق الشبكة البرية السعودية من مجرد جسر إقليمي، إلى ممرٍّ لوجستي محوري يربط آسيا الصغرى بشبه الجزيرة العربية خارج نطاق الملاحة البحرية المضطربة.
شريان لا بديل منه
وفي مجمل هذه المعطيات، تبدو المملكة العربية السعودية وقد تحوّلت في أسابيع قليلة إلى القلب النابض للمنظومة اللوجستية الخليجية. فبين الإحصاءات الرسمية لـ«زاتكا» والأرقام التراكمية، ثمة تحوّل لا يُختزل في أرقام: هو تحوّل شبكة طرق وأسطول ضخم وإجراءات تنظيمية متسارعة، أحالت خطر انقطاع سلاسل الإمداد إلى فرصة لإعادة رسم دور المملكة في الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
وبينما تبقى الـ166 ألف شاحنة رقمًا متصاعدًا لا نقطة نهاية، يظل السؤال الأهم حول مدى استدامة هذه القدرة الاستيعابية إذا ما طالت الأزمة أشهرًا إضافية وتضاعفت الضغوط على المنافذ.
وفي 28 فبراير 2026، اندلعت المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، مخلّفةً اضطرابات فورية في حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز، البوابة التي يمرّ عبرها نحو 20% من تجارة النفط العالمية، فضلًا عن كميات ضخمة من البضائع المتجهة إلى دول الخليج وعنها.
ودفعت هذه الاضطرابات شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مساراتها أو تعليق رحلاتها، مما وضع الأمن الغذائي بالإقليم أمام اختبار حقيقي. وقد جاء الاعتماد المتصاعد على الشبكة البرية السعودية ليُجسّد الاستجابة العملية الأسرع والأكثر فاعلية، في حين تحوّلت موانئ البحر الأحمر كميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله إلى بوابات الإمداد الجديدة للمنطقة.

