مطلق بن كليب السبيعي
كنا بالأمس القريب نناقش تراجع الصحافة التقليدية أمام زحف الإعلام الرقمي السريع، والأثر الممتد على جودة المادة الصحفية ومكانة الصحفي. لكن هذه الحقبة من التحول لم يطل النقاش فيها؛ فسرعان ما اقتحم الذكاء الاصطناعي المشهد، ليتجاوز دور الأداة المساعدة ويبدأ في تقمص الأدوار المعقدة، من رئيس التحرير إلى المخرج الصحفي.
نعيش اليوم عهداً يتغلغل فيه الذكاء الاصطناعي بعمق في أغلب المجالات، وبالأخص في قطاع الإعلام؛ حيث تُدار الأخبار بمساعدة خوارزميات تبدأ بدور المساعد الذكي وتنتهي بالاستحواذ الكلي على صناعة المحتوى. هذا التطور المتسارع وضع الجميع أمام تحدي “التكيف” لا “المقاومة”، بشرط أن يكون هذا التكيف بذكاء وشفافية مطلقة مع الجمهور.
وهنا تبرز المعضلة الكبرى: (الثقة). لقد كانت ثقة الجمهور بالصحافة التقليدية راسخة، ثم اهتزت مع سيطرة الإعلام الرقمي، فكيف سيكون حالها اليوم مع تدخلات الذكاء الاصطناعي، في وقتٍ أضحى فيه الجمهور يشكك في مصداقية كل ما يراه أو يقرأه؟
تقول أليسا أبلمان، الأستاذة المساعدة في كلية الصحافة بجامعة “ويليام ألين وايت”: “مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأخبار، أصبح من الضروري أن يفهم الجمهور كيف يؤثر هذا على مصداقية الأخبار”.
وأمام هذا الطوفان التقني، لا تبدو المقاومة خياراً واقعياً، بل إن الحل يتجلى في صياغة “ميثاق أخلاق رقمي” يعيد رسم الحدود بين المساعدة الآلية والإبداع البشري. تتطلب استعادة ثقة الجمهور شفافية مطلقة؛ تفرض الإفصاح الصريح عن أي محتوى دخلت فيه تقنيات الذكاء في إنتاجه أو تعديله. علاوة على ذلك، يجب أن يظل الصحفي هو “المصفاة الأخيرة” والمتحقق الأول؛ فالتكنولوجيا مهما بلغت دقتها، تفتقر إلى الحس الأخلاقي والقدرة على قراءة ما بين السطور.
إن الصحافة، كما تصفها ليزا جيبس، مديرة شراكات الأخبار في وكالة “أسوشيتد برس”: “عمل إبداعي يتعلق بالفضول وسرد الحكايات وتعزيز الشفافية والتفكير النقدي.. وهذه هي النقاط التي نريد أن يوجه إليها الصحفيون طاقاتهم”.
في الختام، الذكاء الاصطناعي ليس عدواً للصحافة، بقدر ماهو مرآة تعكس مدى تمسكنا بجوهر المهنة. التحدي الحقيقي في الحفاظ على “أنسنة الإبداع”؛ لا في سرعة معالجة البيانات، فالعالم قد يندهش من تقرير كتبته آلة في ثوانٍ، لكنه لن يثق إلا بكلمة خطها صحفي غمس قلمه في واقع الناس وبحث عن الحقيقة بضميره قبل قلمه. الصحافة ستبقى، شريطة أن نتذكر أن الآلة تملك الذكاء، لكن الإنسان وحده يملك الحقيقة.

