الدكتور محمد حسين سمير- أستاذ الإدارة والتغيير الاستراتيجي بجامعة لندن
عندما يبلغ الإنسان سن الأربعين، يبدأ كثيرون في الشعور بأنهم لم يعودوا كما كانوا من قبل، يتسلل إليهم إحساس بالملل أو الفتور، وربما يظنون أنهم فقدوا شيئًا من شغفهم القديم. لكن الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك بكثير “أنت لم تضعف.. بل أصبحت أكثر قوة، وأكثر هدوءًا، وأكثر وضوحًا”.
العمر ليس مجرد رقم نعدّه، بل مرحلة نعيد فيها ضبط حياتنا، نعم، قد يهدأ الحماس قليلًا، لكن في المقابل يرتفع مستوى الفهم، ويصبح الصوت أقل ضجيجًا، بينما يزداد تأثيرك الحقيقي عمقًا ونضجًا.
في هذه المرحلة، لا يقل عدد الناس من حولك بقدر ما يخضعون لعملية “فلترة” طبيعية” ما كنت تتحمس له سابقًا لم يعد يثيرك بنفس الدرجة، ولم يعد لديك الاستعداد لإثبات نفسك للجميع أو خوض معارك بلا معنى، هذا ليس فقدانًا للشغف، بل تحول في طريقة توجيهه.
الهدوء بعد الأربعين لا يعني الفراغ، بل غالبًا ما يكون نتاج خبرات سابقة، خسارات، خيبات، وتجارب صامتة شكّلت وعيك وأعادت ترتيب أولوياتك.
الأربعون ليست مجرد محطة عمرية، بل مساحة نضج واتزان، هي المرحلة التي تقول فيها “نعم” في وقتها الصحيح، و“لا” بثقة ومن دون شعور بالذنب أو الحاجة لتبرير مطوّل، هي سن الاختيار الواعي بدل الاندفاع، والفهم العميق بدل الحماس المؤقت.
وهنا يظهر مفترق الطرق، إما أن تستسلم لفكرة أنك فقدت شغفك، فتعيش بطاقة منخفضة، أو تختار الطريق الأكثر صدقًا مع نفسك: الانتقائية الإيجابية.
ما يظنه البعض فتورًا، هو في الحقيقة وعي جديد يجعلك تنتقي ما يستحق وقتك وطاقتك.
بعد الأربعين، يصبح للوقت قيمة مضاعفة، وتغدو الطاقة موردًا يجب الحفاظ عليه، تصبح راحتك النفسية أهم من نيل الإعجاب، وسلامك الداخلي أغلى من أي انتصار شكلي، وأهم ما يتغير فيك هو أنك تتوقف عن تبرير اختياراتك للآخرين، وتبدأ في اختيار حياتك- علاقاتك، وقتك، وصحتك- بهدوء وثقة.
الخلاصة ببساطة، أنت لم تنسحب من الحياة، ولم تفقد شغفك، ولم يقل طموحك، أنت فقط أصبحت تختار بوعي أكبر، وإذا قال لك أحدهم: “لقد تغيّرت”؛ فابتسم بهدوء وقل: الحمد لله.. هذا ما كان ينبغي أن يحدث.

