الدكتور عيسى محمد العميري
كاتب كويتي
مما لا شك فيه أنَّ رؤية دول الخليج العربي لما بعد الحرب الحالية القائمة تختلف عن الرؤية لما قبل تلك الحرب؛ حيث تُفرَض رؤية جديدة كليًا، ورؤية من نوع خاص تضع في الحسبان الكثير من المعطيات والأساسيات التي يجب أن تُتَّبع في جميع السياسات في دول الخليج العربي وعلى أكثر من صعيد أو مجال، وهو الأمر الطبيعي الذي يُفترض أن تسير الأمور عليه.
كما يُفترض أن تتم إعادة صياغة تلك الرؤية بما يوافق مصالحها وفقًا لما حدث.
وبناءً عليه، فإن تلك الحرب أظهرت أمورًا وقضايا مهمة لم تكن بارزة قبل الحرب.
وبطبيعة الحال، تأتي على رأس تلك الرؤى مساراتُ تصدير النفط بجميع أشكاله، وذلك بالنظر إلى أن تلك المصلحة تعد شريان الحياة للاقتصادات في الخليج العربي، حيث أثبتت هذه الحرب أنَّ الاعتماد على ممرات محدودة، مثل مضيق هرمز، بات يشكل تحديًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل التوترات المتكررة التي تهدد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه.
وبالتالي، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في آليات تصدير النفط، والعمل على تنويع المسارات بشكل يضمن استمرارية التدفق النفطي تحت مختلف الظروف.
وفي هذا الصدد، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يُعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة خط “التابلاين” الذي كان معمولًا به قبل عقود ماضية، عندما شكّلت في وقتها نموذجًا استراتيجيًا لنقل النفط عبر مسارات برية آمنة نسبيًا.
وبالتالي، فإن تطويرها بما يتناسب مع التقنيات الحديثة، يمكن أن يمثل خطوة محورية نحو تعزيز أمن الطاقة في المنطقة.
تمتد الرؤية الخليجية أيضًا إلى ضرورة التفكير في سياسات إنتاج وتخزين أكثر مرونة، تُراعي مختلف الظروف الجيوسياسية.
كما أن مضاعفة الإنتاج في فترات الاستقرار، والتوسع في التصدير المسبق، قد يسهمان في تقليل أثر أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات.
وكذلك، فإن تخزين النفط خارج منطقة الخليج والشرق الأوسط، عبر شراكات دولية أو استثمارات في منشآت تخزين عالمية، يعد خيارًا استراتيجيًا يتيح لدول الخليج الحفاظ على حضورها في الأسواق العالمية حتى في أوقات الأزمات.
ومن ناحية أخرى، فإنه في خضم هذه التغيرات، تظهر هنا أهمية الاستثمار في الابتكار والتقنيات الحديثة، سواء في مجال الطاقة أو الأمن أو النقل، لضمان القدرة على التكيف مع عالم سريع التغير.
فالدول التي تستشرف المستقبل وتستعد له هي الأقدر على تجاوز الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.
ويُضاف إلى ذلك القول بأن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها، وهذه حقيقة يجب التعامل معها بوعي ومسؤولية.
فإعادة النظر في السياسات، وتبني رؤى جديدة أكثر مرونة واستدامة، لم تعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.
وفي ذلك، يكمن الطريق نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لدول الخليج وشعوبها. والله الموفق والحافظ.

