عجز مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، عن التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات الدولية منذ تأسيسه في أربعينات القرن الماضي، بعدما استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار تقدمت به البحرين يهدف إلى حماية حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز.
وأثار هذا التطور موجة واسعة من الإحباط حيال فاعلية الدبلوماسية متعددة الأطراف في حفظ السلم والأمن الدوليين، كما زاد المخاوف من احتمال خروج المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى عن نطاق السيطرة.
وعلى الرغم من أسابيع من المشاورات المكثفة، أدخلت خلالها البحرين تعديلات عدة استجابة لملاحظات موسكو وبكين، فإن المجلس أخفق في تمرير مشروع القرار الذي حظي بدعم 11 دولة، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والبحرين والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا ولاتفيا والدنمارك واليونان وبنما، في حين عارضته روسيا والصين، بينما امتنعت كل من باكستان وكولومبيا عن التصويت.
وعقب إعلان النتيجة، أعرب وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني عن أسفه الشديد لعدم اعتماد القرار، مؤكداً أن المجلس أخفق في اتخاذ موقف حازم إزاء ما وصفه بالتهديدات غير القانونية التي تطال حركة الملاحة في المضيق.
وحذر من أن هذا الفشل قد يقوض مصداقية المجلس ويشجع على مزيد من الاضطرابات في أحد أهم الممرات التجارية في العالم، مشيراً إلى أن مضيق هرمز يمثل شرياناً أساسياً لإمدادات الطاقة العالمية، وأن أي تعطيل لحركته قد ينعكس سلباً على أسواق النفط والأمن الغذائي والتجارة الدولية.
واتهم الزياني إيران بتكرار التهديد بإغلاق المضيق واستهداف السفن التجارية، معتبراً أن مثل هذه الممارسات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ورغم تعثر القرار، أكد أن دول الخليج، بما فيها البحرين والسعودية والإمارات وقطر والكويت، إلى جانب الأردن، ستواصل التنسيق مع شركائها الدوليين لتعزيز أمن الملاحة وضمان استمرار حركة التجارة، فضلاً عن حث إيران على الالتزام بقرارات مجلس الأمن.
ورأى دبلوماسيون أن نتيجة التصويت تعكس عمق الانقسامات داخل المجلس في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد القلق بشأن استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
من جهته، أكد المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن بلاده تقف بحزم إلى جانب البحرين وشركائها في الخليج، واصفاً اللحظة بأنها حاسمة.
وانتقد استخدام روسيا والصين حق النقض، معتبراً أنهما وقفتا إلى جانب إيران رغم الإجماع الدولي الواسع على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة.
واتهم والتز إيران بتأجيج التصعيد عبر زرع ألغام بحرية في المضيق واستهداف السفن التجارية وتنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على بنى تحتية مدنية في دول الخليج.
وقال إن هذه العمليات أدت إلى تعطيل مسارات الشحن الحيوية لإمدادات الطاقة والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والأسمدة والإمدادات الطبية، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفاقم اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وزيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي في مناطق عدة.
كما ربط المسؤول الأميركي الأزمة الحالية بالدور الإقليمي الأوسع لإيران، متهماً إياها بزعزعة الاستقرار عبر دعم جماعات مسلحة وتنفيذ هجمات ضد أفراد أميركيين وحلفائهم.
ورغم فشل القرار، شدد والتز على أن الولايات المتحدة ستواصل الدفاع عن مصالحها ومصالح شركائها، مؤكداً احتفاظها بحق الدفاع الجماعي عن النفس.
وأوضح أن واشنطن ما زالت منفتحة على المسار الدبلوماسي، لكنه حذر من أن أي مفاوضات لن تنجح إذا استمرت إيران في ما وصفه بسياسة التصعيد، مؤكداً أن مضيق هرمز ممر حيوي للاقتصاد العالمي ولا ينبغي استخدامه أداة للضغط أو التهديد.
بدوره، أعرب المندوب الفرنسي جيروم بونافون عن أسف بلاده لتعطيل مشروع القرار بفعل الفيتو، مؤكداً أن فرنسا دعمته انطلاقاً من أهمية ضمان حرية الملاحة والأمن البحري في مضيق هرمز لما لذلك من انعكاسات مباشرة على استقرار الشرق الأوسط والنظام الدولي. كما أشار إلى القرار 2817 الذي أدان الضربات الإيرانية العشوائية على دول الخليج والأردن.
في المقابل، أوضح المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا أن بلاده عارضت المشروع لأنه، بحسب تعبيره، يلقي بالمسؤولية على إيران بصورة غير عادلة ويتجاهل ما وصفه بالأسباب الأساسية للأزمة، وفي مقدمتها العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
واعتبر أن نص القرار غير متوازن، محذراً من أنه قد يخلق سابقة خطيرة في القانون الدولي، كما أعرب عن مخاوف من إمكانية تفسيره بوصفه غطاءً لاستخدام القوة بذريعة حماية الملاحة البحرية.
ورغم إقراره بالمخاوف الأمنية لدول الخليج، رأى نيبينزيا أن مشروع القرار كان من شأنه زيادة حدة التوتر بدلاً من فتح الطريق نحو التهدئة، مشيراً إلى أن موسكو تعمل بالتعاون مع بكين على إعداد مشروع قرار بديل يأملان طرحه للتصويت قريباً.
من جانبه، أعرب المندوب الصيني عن موقف مماثل لتبرير استخدام الفيتو، قائلاً إن خلفيات الصراع واضحة، في إشارة إلى الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران دون تفويض من مجلس الأمن، وفي وقت كانت تجري فيه مفاوضات بين طهران وواشنطن، معتبراً أن ذلك يمثل انتهاكاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد العلاقات الدولية.
وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة احترام سيادة دول الخليج وأمنها ووحدة أراضيها، وحماية المدنيين والمنشآت غير العسكرية، إلى جانب ضمان أمن وسلامة الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة.

