خاص – الوئام
يشهد سوق الطاقة العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تعيد تشكيل موازين الإنتاج والتسعير والتأثير بين أبرز القوى الفاعلة فيه. وفي ظل هذه التغيرات، تتقدم الولايات المتحدة كلاعب رئيسي يسعى إلى تعزيز موقعه في منظومة الطاقة الدولية، عبر سياسات تجمع بين البعد الاقتصادي والاعتبارات الجيوسياسية، بما ينعكس على حركة الأسواق التقليدية ومراكز الإنتاج الكبرى.
وفي هذا الإطار، تتنوع أدوات السياسة الأمريكية في قطاع الطاقة بين توسيع الإنتاج المحلي من النفط الصخري، وإدارة ملف العقوبات الاقتصادية على عدد من الدول المنتجة، إلى جانب الاهتمام بالممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، والاستفادة من مكاسب النفط الصخري الأمريكي، والسيطرة على موارد فنزويلا النفطية بعد إنهاء حكم نيكولاس مادورو.
أدوات واشنطن
يرى أحمد سلطان الباحث في الشأن الدولي، أن السنوات السابقة كشفت استراتيجية واشنطن فيما يخص هذا القطاع من خلال شبكة معقدة من العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا وإيران وغيرهما من الدول المصدرة للنفط.
وخلال الفترة الماضية، أثبتت العقوبات الأمريكية فعاليتها في رفع أسعار الخام، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى أكثر من 80 دولارًا للبرميل بعد فرض عقوبات جديدة على منتجي النفط الروس، كما أن العقوبات على إيران وفنزويلا تضع حدًا أدنى لأسعار النفط، إذ تعمل على خنق صادرات النفط من هذه الدول.
ويؤكد الباحث في الشأن الدولي، خلال تصريحاته لـ”الوئام”؛ أن أزمة مضيق هرمز الحالية أصبحت أداة ضغط محورية في الاستراتيجية الأمريكية؛ فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا يُستخدم كورقة ضغط على الصين وأوروبا.
وتشير تحليلات إلى أن إغلاق المضيق قد يدفع أسعار النفط إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل، وقد تصل إلى 130 دولارًا في سيناريو الصراع العسكري الشامل.
إلا أن هذه العقوبات تحمل تداعيات كبيرة على الدول المستوردة والمصدرة للنفط على حد سواء؛ فالعقوبات الأمريكية تهدد بخفض إنتاج الصين من النفط، حيث إن استهداف محطات استيراد النفط الصينية قد يجبر العديد من المصافي على خفض إنتاجها بما يصل إلى 250 ألف برميل يوميًا.
في سياق متصل، تعاني الدول الأوروبية من ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وبالتالي، فإن استمرار هذه العقوبات يفرض أعباء اقتصادية ثقيلة يجب أن تتوقف، لما تسببه من ضرر للاقتصاد العالمي برمته.
فنزويلا وموقف ترمب
يقول أبوبكر الديب، الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في حديث خاص لـ”الوئام”، إن أمريكا تسعى إلى الحفاظ على أسعار طاقة مرتفعة لتمكينها من بيع نفطها الصخري بربح كبير؛ فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، من المتوقع أن يصل إنتاج النفط الخام والسوائل الأمريكية إلى مستوى قياسي يقارب 24 مليون برميل يوميًا في عام 2026، ليشكل 22% من الإمدادات العالمية.
وتشير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن متوسط سعر التعادل بين كبار المنتجين ارتفع من 58 دولارًا للبرميل في 2024 إلى 61 دولارًا في 2025، مما يعني أن الأسعار المرتفعة ضرورية لاستمرار ربحية القطاع.
أما على صعيد فنزويلا، وبحسب ما يرى أبوبكر الديب، فقد نجحت واشنطن في السيطرة على مواردها النفطية بعد إنهاء حكم مادورو. وتكمن القصة هنا في جانبين: الأول أن النفط الفنزويلي من بين الأعلى تكلفة في العالم، حيث تصل تكلفة استخراج البرميل الواحد إلى نحو 23 دولارًا، وهي من بين الأعلى عالميًا بحسب بيانات شركة “إيه دي آي أناليتيكس”.
ونقلًا عن تقرير لوكالة رويترز، أظهرت بيانات الشحن ارتفاع صادرات فنزويلا من النفط إلى نحو 800 ألف برميل يوميًا في يناير 2026 تحت السيطرة الأمريكية، بعد القبض على مادورو وإنهاء الحصار النفطي. وهكذا وجدت الشركات الأمريكية التي استولت على النفط الفنزويلي الفائدة بعد ارتفاع الأسعار.
وتخطط شركة شيفرون الأمريكية، التي تنتج حاليًا 250 ألف برميل يوميًا في فنزويلا، لزيادة إنتاجها بنسبة 50% خلال 18 إلى 24 شهرًا إذا حصلت على الموافقات الحكومية اللازمة.
تحركات أمريكية
ونقلًا عن تقرير لموقع “Moneycontrol”، فإن إدارة ترمب تحركت فعليًا للسيطرة على نظام النفط الفنزويلي، حيث سُمح للشركات الأمريكية بشراء وتسويق الخام الفنزويلي، بينما تم تحويل المدفوعات عبر حسابات خاضعة للرقابة الأمريكية.
كما صادرت واشنطن ناقلات نفط واستولت على عشرات الملايين من البراميل. وأوضح التقرير أن “هدف ترمب ليس امتلاك كل النفط، بل ضمان عدم حدوث أي معاملة مهمة خارج النفوذ الأمريكي؛ وبهذا، تعمل واشنطن على إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية.

