فاضل العماني
بداية أجدني مضطرًا لكتابة هذا التعريف المختصر للتخصصات الإنسانية والاجتماعية والتي تحوّلت الى ما يمكن أن يُطلق عليه بـ “ترند مجتمعي”، وذلك بعد أن كثر الحديث عن قيام بعض الجامعات السعودية بإلغاء العديد من أقسام وتخصصات هذه العلوم الإنسانية والاجتماعية.
فالتخصصات الإنسانية والاجتماعية هي أقسام ومجالات واسعة ومهمة ترتكز في الأساس على دراسة وفهم الثقافة والطبيعة البشرية والتاريخ والجغرافيا والحضارة والفلسفة وعلم النفس والسلوك والآثار واللغات والإعلام والسياسة والقانون وغيرها الكثير من العلوم والمجالات والتخصصات.
هذي هي العلوم والمجالات التي أصبحت مثار نقاش وخلاف بعض شرائح وتعبيرات المجتمع السعودي، خاصة من له علاقة بالقطاع الأكاديمي أو سوق العمل، وذلك حيث أصبح الربط بين مخرجات التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل من “الاستراتيجيات الكلاسيكية” التي شكلّت ومنذ عقود البنية الفكرية والعلاقة البينية بين الجامعات وسوق العمل باعتبارهما يجسّدان الترابط والتكامل.
وحتى نقترب كثيراً من صورة هذا المشهد الملتبس الذي يتنازعه طرفان متوازيان: الأول مع ترشيد وتقليص وإلغاء بعض التخصصات الإنسانية والاجتماعية، بينما الآخر يستنصر لهذه التخصصات والعلوم التي يعتبرها أساسية لفهم التجربة البشرية وتنمية التفكير النقدي وتعزيز الوعي الثقافي والأخلاقي، أضع هذه الحزمة الصغيرة والمثيرة من الأسئلة التي لا تحتاج إلى إجابات جاهزة ومستهلكة بقدر حاجتها لدراسات متأنية وحلول حقيقية للوصول لطرق وحلول لواقع ومستقبل التخصصات الإنسانية والاجتماعية في مشهدنا الوطني:
هل الجامعة معنية بالضرورة بسوق العمل، بمعنى أنها تختار أقسامها وتخصصاتها بناءً على حاجة ومواءمة سوق العمل؟، لماذا لا توجد معاهد ومراكز عامة أو خاصة وظيفتها تدريس هذه التخصصات بشكل مكثف وعصري بعيداً عن أروقة ودرجات التعليم الجامعي، بحيث تُقدم دبلومات أو دورات أو دراسات في العلوم والتخصصات الإنسانية والاجتماعية لمن يرغب من الدارسين والمهتمين ولكل من يرغب بذلك؟، وهل تحتاج الجامعات لعمل مراجعات وتغييرات مدروسة ومستمرة للكثير من أقسامها ومناهجها وطرق تدريسها؟.
وهل حقاً تقليص أو إلغاء بعض هذه التخصصات الإنسانية “يُعتبر إضعافاً للفكر والتربية العقلية النقدية وتعميم السطحية؟”، لماذا يُربط دائماً التخصص والتعمّق في الفكر والعلم والمعرفة بالجامعات، تماماً كما لو كانت هي الجهة الوحيدة التي تمنح ذلك التخصص والتميز؟، والكثير الكثير من الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الصدد ولكن هذا ما سمحت به مساحة هذا المقال.

