في مشهد إنساني بالغ الدلالة، رحلت حياة الفهد اليوم الثلاثاء، بعد ثلاثة أيام فقط من ذكرى ميلادها الذي يوافق 18 أبريل، لتُسدل الستار على واحدة من أطول وأثرى المسيرات في تاريخ الدراما الخليجية. حضورها لم يكن عابرًا، بل امتد لعقود صنعت خلالها ذاكرة فنية كاملة، ارتبطت بتفاصيل المجتمع الخليجي وتحولاته.
رحلة المرض.. أشهر من المعاناة بين لندن والكويت
خلف هذا الرحيل، كانت هناك معركة طويلة لم تُعلن تفاصيلها إلا في نطاق ضيق. بدأت الأزمة الصحية بإصابتها بجلطة دماغية حادة أثّرت على وظائف النطق، لتدخل بعدها في مسار علاجي معقد. غادرت إلى لندن حيث خضعت لعلاج مكثف استمر نحو خمسة أشهر تحت إشراف فريق طبي متخصص، في محاولة لاستعادة استقرار حالتها.

لكن التحسن لم يكن بالمستوى المأمول، ما دفعها للعودة إلى الكويت واستكمال العلاج في مستشفى جابر الأحمد، وسط متابعة من محيطها الفني ودعوات مستمرة لشفائها. ومع تدهور حالتها، نُقلت إلى العزل الطبي، قبل أن تتعرض لانتكاسة حادة صباح يوم الوفاة، أدت إلى دخولها العناية الفائقة، لترحل بعدها بساعات.
الظهور الأخير.. “أفكار أمي” كوداع فني واعٍ
رغم ظروفها الصحية الصعبة، اختارت أن لا تغيب عن جمهورها قبل الرحيل، فشاركت في موسم رمضان 2025 من خلال مسلسل أفكار أمي، في عمل بدا وكأنه رسالة أخيرة. هذا الظهور لم يكن مجرد مشاركة فنية، بل تعبير عن التزام مهني رافقها طوال مسيرتها، وإصرار على الاستمرار حتى في أصعب الظروف.
مسيرة بدأت من الصفر.. وانتهت في القمة
وُلدت حياة الفهد عام 1948 في الكويت، وعاشت طفولة قاسية بعد فقدان والدها في سن مبكرة، وانتقالها مع عائلتها إلى منطقة المرقاب. لم تُكمل تعليمها، لكنها اعتمدت على نفسها في تعلم القراءة والكتابة بالعربية والإنجليزية، قبل أن تبدأ حياتها العملية ممرضة، ثم مذيعة في إذاعة الكويت بين عامي 1965 و1968.

انطلاقتها الفنية جاءت بالصدفة عندما اكتشفها الفنان أبو جسوم، لتشارك في مسلسل “عائلة بو جسوم” عام 1964، ومن هنا بدأت رحلة صعود طويلة في عالم التمثيل، سبقتها تجربة مسرحية مبكرة عبر “الضحية” عام 1963.
أعمال صنعت الوجدان الخليجي
على مدار أكثر من ستة عقود، قدمت أعمالًا أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية، من بينها خالتي قماشة ورقية وسبيكة والدردور وجرح الزمن. تنوعت أدوارها بين الكوميديا والدراما الاجتماعية والتاريخية، وتمكنت من تجسيد شخصيات قريبة من الناس، خاصة ما يتعلق بقضايا المرأة والمجتمع.
كما شاركت في المسرح والسينما والإذاعة، وقدّمت أعمالًا مثل “أم هارون” و”سنوات الجريش”، إضافة إلى حضورها في المسرحيات الكوميدية والتراثية التي عززت مكانتها الجماهيرية.
قلم مبدع.. حين تتحول الدراما إلى وثيقة اجتماعية

لم تكن ممثلة فقط، بل كانت أيضًا كاتبة مؤثرة، قدمت نصوصًا درامية بارزة مثل “الفرية” و”الداية” و”الخراز” و”سليمان الطيب”. تميزت كتاباتها بقدرتها على تناول قضايا اجتماعية معقدة بأسلوب إنساني، ما جعل أعمالها أقرب إلى توثيق حيّ للتحولات الاجتماعية في الخليج.
ثنائيات صنعت تاريخًا فنيًا
شكّلت علاقتها الفنية مع سعاد عبد الله واحدة من أشهر الثنائيات في الخليج، حيث قدّمتا أعمالًا رسخت في وجدان الجمهور منذ السبعينات. كما كان لها حضور بارز في أعمال جمعتها مع غانم الصالح، في تجارب فنية متنوعة بين الكوميديا والدراما.
جوائز وتكريمات على امتداد المسيرة
حصدت حياة الفهد العديد من الجوائز، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الكويت، وجائزة الدولة التقديرية، إلى جانب جوائز من مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، وتكريمات في مهرجانات عربية متعددة. كما نالت أوسمة تقديرية عن أعمالها، وكان آخرها تكريمها في حفل Joy Awards عام 2023.
فنانة شاملة.. من التمثيل إلى الشعر

امتدت موهبتها إلى مجالات أخرى، حيث أصدرت ديوانًا شعريًا بعنوان “عتاب”، وشاركت في كتابة العديد من الأعمال التلفزيونية، إلى جانب دورها في الإنتاج الفني. هذا التنوع جعلها واحدة من القلائل اللواتي جمعن بين التمثيل والتأليف والإنتاج في آن واحد.
حياة شخصية بعيدة عن الأضواء
على المستوى الشخصي، تزوجت مرتين، الأولى من الطبيب العراقي قصي الجلبي وأنجبت منه ابنتها سوزان، ثم من فنان لبناني، وابتعدت نسبيًا عن تفاصيل حياتها الخاصة، مفضلة التركيز على مسيرتها الفنية ودورها كأم وفنانة.
إرث لا يغيب.. وغياب يترك أثرًا ممتدًا
برحيل حياة الفهد، تفقد الساحة الفنية رمزًا استثنائيًا شكّل وجدان أجيال كاملة. لم تكن مجرد نجمة، بل حالة فنية متكاملة ساهمت في بناء هوية الدراما الخليجية، ورفعت سقفها الفني والإنساني.

وفي مفارقة مؤثرة، تنتهي رحلتها في الشهر ذاته الذي بدأت فيه، لتبقى قصتها مفتوحة في ذاكرة الفن، حيث لا يُقاس الحضور بطول العمر، بل بعمق الأثر الذي يتركه صاحبه.

