في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب وعدم اليقين، تكشف أحدث البيانات عن تصاعد غير مسبوق في الإنفاق العسكري عالميًا، في مؤشر واضح على أن التوترات الجيوسياسية والحروب المستمرة باتت المحرك الرئيسي لسياسات الدول الاقتصادية والأمنية.
وبينما تتراجع بعض القوى مؤقتًا، تتقدم أخرى بخطى سريعة في سباق التسلح، ما يعيد رسم ملامح التوازنات الدولية.
تصاعد تاريخي في الإنفاق العسكري
سجل الإنفاق العسكري العالمي مستوى قياسيًا جديدًا في عام 2025، ليصل إلى نحو 2.9 تريليون دولار، مواصلاً الارتفاع للعام الحادي عشر على التوالي، وفق تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وارتفعت حصة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.5% مقارنة بـ2.4% في 2024، في دلالة على تنامي أولوية الإنفاق الدفاعي على حساب قطاعات أخرى.
ورغم أن الزيادة السنوية بلغت 2.9% فقط، وهي أقل من القفزة الكبيرة المسجلة بين 2023 و2024، فإنها تظل لافتة في ظل تراجع الإنفاق الأمريكي، أكبر مساهم عالمي في المجال العسكري.
الولايات المتحدة تتراجع مؤقتًا
أنفقت الولايات المتحدة نحو 954 مليار دولار في 2025، بانخفاض نسبته 7.5% مقارنة بالعام السابق، وهو أكبر تراجع سنوي لها. ويُعزى ذلك أساسًا إلى توقف تقديم مساعدات مالية جديدة لأوكرانيا، بعد ثلاث سنوات من الدعم المكثف الذي بلغ إجماليه نحو 127 مليار دولار.
ورغم هذا التراجع، تشير التقديرات إلى أنه مؤقت، في ظل خطط إنفاق طموحة قد ترفع ميزانية الدفاع إلى أكثر من تريليون دولار في 2026، وربما إلى 1.5 تريليون دولار بحلول 2027.
أوروبا تقود موجة الارتفاع
في المقابل، لعبت أوروبا الدور الأكبر في دفع الإنفاق العسكري العالمي نحو الارتفاع، حيث زادت نفقاتها بنسبة 14% لتصل إلى 864 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تاريخي للقارة. ويأتي ذلك في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وضغوط أمريكية متزايدة على دول الناتو لتعزيز قدراتها الدفاعية.
وسجلت ألمانيا قفزة كبيرة في إنفاقها العسكري بنسبة 24% ليصل إلى 114 مليار دولار، بينما رفعت إسبانيا إنفاقها بنسبة 50% متجاوزة للمرة الأولى عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
الحرب في أوكرانيا ترفع الإنفاق
أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية بشكل مباشر في زيادة الإنفاق العسكري، حيث رفعت روسيا نفقاتها بنسبة 5.9% لتصل إلى 190 مليار دولار، فيما زادت أوكرانيا إنفاقها بنسبة 20% ليبلغ 84.1 مليار دولار، وهو ما يعادل نحو 40% من ناتجها المحلي الإجمالي.
وسجلت الدولتان أعلى مستويات الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي، في انعكاس مباشر لضغوط الحرب المستمرة.
آسيا تتسارع.. والصين في الصدارة
في آسيا وأوقيانوسيا، ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة تتجاوز 8% ليصل إلى 681 مليار دولار، مسجلاً أكبر زيادة منذ عام 2009. وتواصل الصين دورها كأبرز لاعب في المنطقة، بإنفاق بلغ نحو 336 مليار دولار بعد زيادة سنوية قدرها 7.4%.
كما رفعت اليابان إنفاقها إلى 62.2 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عقود، فيما سجلت تايوان قفزة بنسبة 14% في ظل تصاعد التوترات مع بكين.
الشرق الأوسط.. زيادة محدودة رغم التوتر
على الرغم من استمرار التوترات في الشرق الأوسط، لم يشهد الإنفاق العسكري في المنطقة ارتفاعًا كبيرًا، إذ زاد بنسبة طفيفة بلغت 0.1% ليصل إلى 218 مليار دولار. وسجلت كل من إيران وإسرائيل انخفاضًا نسبيًا في الإنفاق، مع تأثيرات اقتصادية وتغيرات ميدانية في الصراعات.
هيمنة القوى الكبرى
استحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا مجتمعة على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، بإجمالي بلغ نحو 1.48 تريليون دولار، ما يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في عدد محدود من الدول الكبرى.
ويرى باحثون أن هذا الاتجاه يعكس عالمًا يشعر بتراجع مستويات الأمان، ويدفع الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة بيئة دولية متقلبة.
تكشف أرقام الإنفاق العسكري لعام 2025 عن عالم يسير بثبات نحو مزيد من العسكرة، مدفوعًا بتشابك الأزمات وتصاعد الصراعات. وبينما تحاول بعض الدول موازنة أولوياتها الاقتصادية، يبدو أن منطق القوة لا يزال يفرض نفسه بقوة على المشهد الدولي، مع توقعات باستمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة.

