تتحرك الأسواق العالمية على أرضية غير مستقرة، في ظل مزيج معقد من التوترات الجيوسياسية وترقب قرارات نقدية حاسمة، حيث انعكست حالة الجمود في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مباشرة على أداء الأسهم وأسعار الطاقة، لتعيد إلى الواجهة مخاوف التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.
سجّلت الأسهم الأوروبية تراجعاً طفيفاً خلال تعاملات الثلاثاء، مع ميل المستثمرين إلى الحذر قبل أسبوع مزدحم باجتماعات البنوك المركزية وإعلانات نتائج الشركات، وفي وقت تتزايد فيه الضبابية بشأن مستقبل المحادثات بين واشنطن وطهران. وجاء هذا الحذر بعد مؤشرات على عدم رضا الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن المقترح الإيراني الأخير لإنهاء الحرب، والذي يتضمن تأجيل مناقشة الملف النووي إلى ما بعد وقف القتال وتسوية الخلافات البحرية.
وبحلول الساعة 0704 بتوقيت جرينتش، انخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.3 في المائة إلى 606.94 نقطة، في وقت لا تزال فيه الأسواق تتأثر باضطرابات الحرب التي دفعت أسعار النفط للارتفاع وأثارت مخاوف متزايدة بشأن التضخم وآفاق النمو العالمي، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
ورغم تعافي «وول ستريت» وعدد من الأسواق العالمية من موجة بيع حادة شهدتها في مارس، فإن أسهم الشركات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة لم تستعد مستوياتها السابقة، ما يعكس استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة.
تحركات الشركات والقطاعات في أوروبا
على مستوى الأسهم الفردية، برزت تحركات متفاوتة، إذ صعد سهم شركة «بي.بي» بنسبة 2.3 في المائة بعد إعلان أرباح فصلية تجاوزت توقعات السوق، في حين تراجع سهم «نوفارتس» السويسرية بنحو 4.5 في المائة نتيجة تسجيل نتائج أقل من التقديرات.
وفي قطاع الطيران، قفز سهم «نورويجن إير شاتيل» بنحو 4 في المائة، مدعوماً بإعلان الشركة عن خسائر تشغيلية أقل من المتوقع، مستفيدة من عوامل عدة أبرزها قوة الجنيه الإسترليني وانخفاض تكاليف الوقود والتحوطات.
الأسواق الآسيوية تحت ضغط الطاقة والسياسة النقدية
في آسيا، اتسم الأداء بالتباين، حيث تراجعت بعض المؤشرات في ظل استمرار القلق من تعثر المسار الدبلوماسي. وانخفض مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 1 في المائة ليصل إلى 59917.46 نقطة، عقب قرار بنك اليابان الإبقاء على سعر الفائدة عند 0.75 في المائة، مع تحذيرات من تباطؤ محتمل في النمو بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.
وأشار البنك إلى وجود مخاطر متعددة تحيط بالتوقعات الاقتصادية، مؤكداً ضرورة مراقبة التطورات في الشرق الأوسط وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي. كما لم يكن القرار بالإجماع، في ظل تزايد الضغوط لبدء تشديد السياسة النقدية تدريجياً.
وفي المقابل، ارتفع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 0.4 في المائة، بينما تراجع «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 1.1 في المائة، وانخفض «شنغهاي» المركب بنسبة 0.3 في المائة، كما هبط المؤشر الأسترالي بنسبة 0.6 في المائة.
النفط في صدارة المشهد… والتضخم يعود للواجهة
واصلت أسعار النفط ارتفاعها، مدفوعة باستمرار تعثر الجهود لإنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ما يحد من تدفقات الطاقة العالمية. وارتفع خام برنت تسليم يونيو إلى 110.08 دولار للبرميل، بينما صعد عقد يوليو، الأكثر تداولاً، إلى 103.69 دولار، في حين بلغ خام غرب تكساس الوسيط 97.80 دولار.
وتعكس هذه المستويات قفزة كبيرة مقارنة بما قبل اندلاع الحرب، عندما كانت الأسعار تدور قرب 70 دولاراً للبرميل، وهو ما يعزز المخاوف من موجة تضخمية جديدة قد تدفع البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية.
وول ستريت تواصل الصعود الحذر
في الولايات المتحدة، واصلت «وول ستريت» تسجيل مكاسب محدودة، إذ أغلق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند مستوى قياسي جديد مرتفعاً بنسبة 0.1 في المائة، مدعوماً بنتائج الشركات والتفاؤل النسبي بتجنب سيناريوهات اقتصادية أكثر قتامة.
في المقابل، تراجع مؤشر «داو جونز» بنسبة 0.1 في المائة، بينما ارتفع «ناسداك» بنسبة 0.2 في المائة، وسط ترقب لنتائج كبرى شركات التكنولوجيا مثل «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» و«مايكروسوفت» و«أبل».
وفي سوق السندات، ارتفعت العوائد بشكل طفيف، حيث صعد العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.33 في المائة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، فيما تراجع الدولار مقابل الين واليورو بشكل محدود.
تعكس تحركات الأسواق العالمية حالة دقيقة من التوازن بين التفاؤل الحذر والمخاطر المتصاعدة، حيث يظل مسار الحرب في الشرق الأوسط وقرارات البنوك المركزية عاملين حاسمين في تحديد الاتجاهات المقبلة، وسط مخاوف من أن تتحول الضغوط الحالية إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي.

