تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مرحلة أكثر تعقيداً، مع تصاعد المخاوف داخل واشنطن من الانزلاق إلى ما يُوصف بـ”الصراع المجمد”، وهو سيناريو لا يشهد حرباً مفتوحة ولا تسوية سياسية، لكنه يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية متزايدة لكلا الطرفين.
وكشف مسؤولون أميركيون أن هذا السيناريو قد يُحوّل الصراع إلى نموذج شبيه بالحرب الباردة، حيث تتقدم أدوات الضغط غير المباشر مثل العقوبات المالية، واعتراض السفن، والمناورات السياسية، على حساب المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي ظل هذا الوضع، يُتوقع أن تضطر الولايات المتحدة إلى الإبقاء على وجودها العسكري في المنطقة لفترة أطول، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وبقاء الحصار البحري المفروض على إيران.
وتزداد حساسية هذا المسار مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، إذ يرى مقربون من الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن استمرار “الصراع المجمد” يمثل السيناريو الأسوأ سياسياً واقتصادياً، لما يحمله من استنزاف طويل دون تحقيق حسم واضح.
في المقابل، أظهرت مداولات داخل الإدارة الأميركية حالة من التردد بين خيارين رئيسيين: توجيه ضربات عسكرية جديدة، أو الاستمرار في سياسة “الضغط الأقصى” عبر العقوبات، على أمل دفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفها النووي.
تباين داخل فريق ترمب حول المسار المقبل
بحسب مصادر مطلعة، يميل بعض كبار مستشاري ترمب إلى تجنب التصعيد العسكري في المرحلة الحالية، مفضلين تشديد الحصار البحري في مضيق هرمز وزيادة العقوبات الاقتصادية، باعتبارها أدوات أقل تكلفة وأكثر قابلية للاستمرار.
ونقل عن أحد المستشارين أن ترمب عبّر عن إحباطه من الموقف الإيراني، لكنه في الوقت ذاته لا يرغب في الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، مع تأكيده على عدم التراجع عن أهدافه. ويعكس هذا الموقف حالة توازن دقيقة بين الرغبة في الضغط والحذر من التصعيد.
وفي السياق ذاته، وصف وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو مستوى العقوبات المفروضة على إيران بأنه “استثنائي”، مع الإشارة إلى إمكانية زيادتها، داعياً المجتمع الدولي إلى الانضمام لهذه الضغوط لدفع طهران نحو تقديم تنازلات.
المقترح الإيراني.. نقطة خلاف مركزية
جاءت هذه التطورات في أعقاب طرح إيراني لاتفاق جزئي يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار الأميركي عن السفن الإيرانية، مع تأجيل التفاوض بشأن البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة.
غير أن هذا الطرح لم يلق قبولاً داخل الإدارة الأميركية، إذ أشارت مصادر إلى أن ترمب لا يميل إلى قبوله، باعتبار أن الملف النووي يمثل الهدف الرئيسي من المواجهة، وأن تأجيله يُفرغ أي اتفاق من مضمونه الاستراتيجي.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الرئيس وضع “خطوطاً حمراء واضحة” فيما يتعلق بإيران، في إشارة إلى تمسك واشنطن بشروطها الأساسية، وعلى رأسها منع طهران من تطوير برنامج نووي عسكري.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الأبرز
على الأرض، يظل مضيق هرمز محور الصراع الرئيسي، إذ أدى إغلاقه وفرض رسوم على حركة ناقلات النفط إلى تصعيد التوتر، ودفع الولايات المتحدة إلى فرض حصار بحري مشدد.
وتعمل القوات الأميركية على اعتراض السفن المرتبطة بإيران، وإجبار بعضها على العودة إلى موانئها، فضلاً عن مصادرة شحنات تصفها واشنطن بأنها مواد محظورة قد تُستخدم في دعم المجهود الحربي الإيراني.
ويمثل هذا الواقع أحد أبرز عوامل الضغط المتبادل، حيث تراهن كل من واشنطن وطهران على قدرة الطرف الآخر على التراجع أو التصعيد أولاً، في معادلة مفتوحة على احتمالات متعددة.
في ظل غياب أفق واضح للتسوية، تبدو المواجهة الأميركية الإيرانية عالقة بين مسارين متوازيين: تصعيد مؤجل وتسوية غير ناضجة، ما يضع المنطقة أمام مرحلة طويلة من التوتر منخفض الحدة، لكنه مرتفع التأثير.

