في مفارقة قاسية بين سحر الاستكشاف ورعب الأوبئة، تحولت رحلة سياحية انطلقت لسبر أغوار المناطق القطبية الساحرة إلى بؤرة مغلقة لأزمة بيولوجية معقدة. ففي قلب المحيط الأطلسي، تقبع السفينة “إم في هونديوس” وعلى متنها 149 شخصًا، محاصرة بعدو مجهرِي يُشتبه بقوة في انتمائه لعائلة فيروسات “هانتا” القاتلة.
ومع تسجيل ثلاث وفيات متلاحقة وتدهور الحالة الصحية لثلاثة آخرين، يطرح هذا المشهد الدرامي تساؤلات ملحة ومخيفة: كيف تسلل فيروس تحمله القوارض إلى قلب المحيط؟ وهل نحن أمام سلالة نادرة قادرة على الانتقال بين البشر؟
من الاستكشاف إلى الإجلاء الطبي
بدأت خيوط الأزمة تتشابك حين غادرت السفينة، التابعة لشركة “أوشن وايد إكسبيديشنز”، سواحل الأرجنتين قبل ثلاثة أسابيع.
وسرعان ما تبددت أجواء الرحلة بوفاة راكب هولندي في الحادي عشر من أبريل، لتلحق به زوجته التي فارقت الحياة أثناء عودتها إلى بلادها إثر إنزالها في جزيرة سانت هيلينا.
زاد المشهد تعقيدًا مع تسجيل حالة وفاة ثالثة في الثاني من مايو، ليبقى الرابط الطبي المباشر بين هذه الوفيات محل تحقيق مكثف.
ولم يقف الخطر عند هذا الحد، فقد استدعت الحالة الحرجة لراكب بريطاني تنفيذ إجلاء طبي عاجل، وهو إجراء طارئ لنقل المريض جوًا أو بحرًا إلى منشأة طبية متقدمة، إلى جنوب إفريقيا، حيث يرقد في العناية المركزة.
وقد شكلت الفحوصات المخبرية لهذا المريض نقطة الارتكاز في الأزمة، إذ أكدت إصابته بفيروس “هانتا”، ليكون الحالة الوحيدة المثبتة معمليًا حتى اللحظة، وسط ترقب مشوب بالحذر مع ظهور أعراض تنفسية حادة على اثنين من أفراد الطاقم.
ولفهم حجم التهديد الذي يواجه ركاب السفينة القابعة قبالة سواحل الرأس الأخضر، يجب تفكيك الخصائص العلمية لعائلة فيروسات “هانتا” ومساراتها الفتاكة:
فيروسات هانتا: هي عائلة فيروسية تستوطن أجساد القوارض، وتنتقل إلى الإنسان عادة عبر استنشاق رذاذ الفضلات والبول واللعاب المتطاير من الحيوان المصاب، أو نادرًا عبر التعرض لعضة مباشرة.
فيروس الأنديز: يُعد هذا الفيروس الاستثناء الأكثر رعبًا داخل العائلة؛ لكونه السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال المباشر من إنسان إلى آخر.
ورغم ندرة هذا الانتقال، فإنه يمثل الهاجس الأكبر للسلطات التي تسابق الزمن لتحديد هوية السلالة المتفشية في السفينة.
متلازمة هانتا الرئوية: هو المسار المرضي الأشد فتكًا، حيث تصل نسبة الوفاة به إلى 38%. تبدأ أعراضه بحمى وقشعريرة وإرهاق، وتتطور خلال فترة تصل إلى ثمانية أسابيع لتحدث دمارًا في وظائف الأعضاء وتدهورًا تنفسيًا قاتلًا.
الحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية: هو المسار الثاني الذي يظهر بعد فترة حضانة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع.
ويستهدف هذا النوع الكلى مسببًا قصورًا في وظائفها، ويترافق أحيانًا مع نزيف داخلي، بنسبة وفيات تتراوح بين 1% و15%.
سباق جيني في مواجهة المجهول
في المحصلة، لا يمثل الرسو الجبري للسفينة “إم في هونديوس” قبالة سواحل الرأس الأخضر مجرد إجراء احترازي، بل هو انعكاس لأزمة صحية تفتقر حتى الآن إلى “الرصاصة السحرية”؛ إذ لا يوجد علاج شافٍ لفيروس هانتا سوى التدخل السريري لدعم وظائف الجسم المنهكة.
واليوم، تقف منظمة الصحة العالمية والسلطات المحلية في سباق محموم ضد الزمن، حيث تنصب الجهود على التحقيقات الوبائية وفك “التسلسل الجيني” وهو قراءة الخريطة الوراثية للفيروس لتحديد هوية السلالة بدقة. وهذا التوازن الدقيق بين العزلة البحرية والتقدم المخبري هو ما سيحدد مصير 149 شخصًا، إما باحتواء العدوى وتأمين عودتهم، أو بمواجهة سلالة فتاكة تتطلب تدخلات دولية غير مسبوقة.

