في أزمة طبية استدعت استنفارًا دوليًا، تحقق منظمة الصحة العالمية في تفشٍ مريب لفيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، التي غادرت سواحل الأرجنتين نحو المحيط الأطلسي.
الأزمة أسفرت حتى الآن عن 7 إصابات مؤكدة ومشتبه بها، إلى جانب 3 وفيات متتالية بين الركاب.
مصدر القلق الرئيسي ليس الفيروس بحد ذاته – فهو معروف منذ عقود – وإنما الشكوك الجدية حول احتمالية حدوث انتقال للعدوى من «إنسان إلى إنسان»، وهو تطور نادر جداً ومقلق لهذا النوع من الفيروسات الحيوانية المنشأ.
ما هو فيروس «هانتا» وكيف ينتقل عادة؟
ينتمي فيروس «هانتا» إلى عائلة من الفيروسات التي تنتقل بشكل رئيسي عبر القوارض، وخاصة الفئران البرية.
في الوضع الطبيعي، لا يصاب الإنسان بالمرض من خلال مخالطة إنسان آخر، إنما من خلال الاستنشاق المباشر لجزيئات الهواء الملوثة برذاذ بول، أو لعاب، أو فضلات القوارض المصابة.
يحدث ذلك عادة عند تنظيف أماكن مغلقة أو مهجورة، حيث تتطاير الفضلات الجافة في الهواء.
وفي حالات نادرة، تنتقل العدوى عبر لمس الأسطح الملوثة ثم لمس الوجه، أو عبر التعرض لعضة مباشرة من قارض مصاب.
وتؤكد الدكتورة أنجيلا راسموسن، عالمة الفيروسات، أن الإنسان يمثل في العادة «المحطة الأخيرة» للفيروس؛ أي أن الفيروس يدخل جسد الإنسان ويفقد قدرته على الانتقال منه إلى شخص آخر.
لماذا أثارت سفينة «هونديوس» الرعب؟
السيناريو الذي حدث على متن السفينة «هونديوس»، التي ضمت نحو 150 راكبًا، تجاوز القاعدة المعتادة.
سجلت السلطات الطبية 7 حالات مرضية، من بينها زوجان هولنديان؛ توفي الزوج على متن السفينة في 11 أبريل، بينما توفيت الزوجة لاحقًا في مستشفى بجنوب إفريقيا إثر رحلة إخلاء طبي.
هذا الترابط الزمني والمكاني المتقارب بين الضحايا دفع الدكتورة ماريا فان كيركوف، مديرة الاستعداد للأوبئة في منظمة الصحة العالمية، للتصريح بأنه لا يمكن استبعاد حدوث انتقال للعدوى بين البشر، وخاصةً بين المخالطين عن قرب كأفراد الأسرة الواحدة، وهو ما تتعامل معه المنظمة كفرضية قائمة حاليًا.
تتجه الشكوك بقوة نحو سلالة أمريكية جنوبية محددة تُعرف باسم سلالة «الأنديز».
هذه السلالة، التي تتوطن في الأرجنتين – نقطة انطلاق الرحلة – تُعد السلالة الوحيدة عالميًا التي أظهرت سابقًا قدرة استثنائية، وإن كانت محدودة، على الانتقال من إنسان لآخر، وذلك في بيئات المخالطة اللصيقة أو بين الكوادر الطبية والمرضى.
أعراض قاتلة تتنكر في ثوب الإنفلونزا
تكمن خطورة متلازمة فيروس «هانتا» في قدرتها على التخفي في البداية، ثم التدهور السريع لحالة المريض.
تبدأ الأعراض عادة بعد أسبوعين إلى أربعة أسابيع من التعرض للمصدر الملوث، وتظهر كأنها «إنفلونزا حادة»: حمى مفاجئة تتجاوز 38.5 درجة، قشعريرة، إرهاق شديد، وأوجاع في العضلات الكبيرة كالفخذين والظهر، وتصاحبها أحيانًا آلام شديدة في البطن وغثيان.
بمجرد مرور الأيام الأولى من الإصابة، يدخل المريض في المرحلة الأخطر المعروفة باسم «المتلازمة القلبية الرئوية».
يتكاثر الفيروس بسرعة ويهاجم الأوعية الدموية في الرئتين، ما يؤدي إلى تسرب السوائل داخلهما. ثم يواجه المريض فجأة ضيقًا شديدًا في التنفس، ما يؤدي إلى فشل رئوي كامل، وصدمة في الدورة الدموية.
وتُعد هذه السلالة مميتة للغاية، إذ تقدر نسبة الوفيات المرتبطة بها بنحو 40% من المصابين.
بيئة السفن المغلقة: حاضنة مثالية للفيروسات
رغم أن خطر انتشار الفيروس في المدن المفتوحة لا يزال منخفضًا ولا يشكل تهديدًا عالميًا يشبه «كوفيد-19»، تبقى بيئة السفن السياحية استثناءً خطيرًا. إذ يعيش الركاب في بيئات معزولة لفترات طويلة، ويتشاركون شبكات التهوية والتمديدات المغلقة.
وفي حال وجود قوارض مختبئة في هياكل التخزين، تتحول السفينة إلى حاضنة مثالية لتكاثر ونقل الجسيمات الفيروسية المحمولة جوًا.
وتسابق الفرق الطبية ومنظمة الصحة العالمية الزمن لإجراء اختبارات جينية دقيقة تحدد نوع السلالة المسؤولة عن هذه الوفيات.
وإلى أن تتضح الصورة الكاملة لطبيعة العدوى على متن سفينة “هونديوس”، يظل الحذر الشديد والوقاية من القوارض الفرضية الأهم لتجنب هذا الفيروس القاتل الذي يتسلل بصمت.

