تتسارع التطورات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في مشهد يتسم بالتناقض بين مؤشرات التهدئة وتصريحات التصعيد، حيث تتزايد التوقعات بقرب التوصل إلى تفاهم ينهي الحرب، في وقت لا تزال فيه مواقف الطرفين تحمل قدراً كبيراً من الحذر والضغط المتبادل.
وفي هذا السياق، يبرز موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي جمع بين الإشارة إلى تقدم في مسار التفاهم، والتأكيد في الوقت ذاته على أن الحديث عن مفاوضات سلام مباشرة لا يزال سابقاً لأوانه.
ترمب: المفاوضات المباشرة “مبكرة جداً”
قال ترمب، الأربعاء، إن من “المبكر جداً” البدء في التفكير بعقد محادثات سلام مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك خلال مقابلة مع صحيفة “نيويورك بوست”، رغم التقارير التي تحدثت عن اقتراب الطرفين من التوصل إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب.
واستبعد الرئيس الأمريكي إرسال مبعوثين إلى باكستان مجدداً لعقد جولة مفاوضات جديدة، قبل أن ينهي المقابلة الهاتفية مع الصحيفة قائلاً إن لديه موعداً مع “الجنرالات”، في إشارة تعكس استمرار الطابع العسكري في إدارة الأزمة.
رسائل مزدوجة بين التهدئة والتهديد
وقبل هذه التصريحات، كان ترمب قد أشار عبر منصة “تروث سوشيال” إلى أنه في حال موافقة إيران على المقترح الأمريكي، فإن “عملية ملحمة الغضب ستنتهي”، وسيتم فتح مضيق هرمز أمام الجميع، بما في ذلك إيران.
في المقابل، حذر من أن رفض طهران العرض سيقود إلى “قصف على مستوى أعلى بكثير من السابق”، في رسالة تعكس استمرار استخدام الضغط العسكري كأداة تفاوضية.
تقدم في المفاوضات وانتظار الرد الإيراني
في موازاة ذلك، أفاد موقع “أكسيوس”، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة، بأن واشنطن باتت قريبة من التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران لإنهاء الحرب، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تنتظر رداً من طهران خلال 48 ساعة.
وأوضح التقرير أن الاتفاق لم يُحسم بعد، إلا أن هذه المرحلة تُعد الأقرب منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، في مؤشر على تقدم ملموس في مسار التفاوض.
كما نقلت شبكة CNBC عن متحدث باسم الخارجية الإيرانية أن طهران “تقيّم” المقترح الأمريكي المؤلف من 14 بنداً، ما يعكس استمرار المشاورات دون إعلان موقف نهائي حتى الآن.
شروط إيرانية ومواقف إقليمية داعمة
وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال زيارة إلى الصين، أن بلاده “لن تقبل سوى باتفاق سلام عادل وشامل”، في إشارة إلى تمسك طهران بشروطها في أي تسوية محتملة.
وعلى المستوى الإقليمي، أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن امتنانه لقرار ترمب تعليق عمليات “مشروع الحرية” في مضيق هرمز، معتبراً أن الخطوة جاءت في “الوقت المناسب”.
وأشار شريف إلى أن الاستجابة الأمريكية لطلب باكستان ودول أخرى، من بينها المملكة العربية السعودية وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، من شأنها دعم جهود السلام والاستقرار خلال هذه المرحلة الحساسة، مؤكداً التزام بلاده بدعم الحلول الدبلوماسية.
تطورات ميدانية وإشارات تهدئة حذرة
على الجانب الميداني، أعلنت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أن العبور الآمن عبر مضيق هرمز سيصبح ممكناً مع تراجع التهديدات، في ظل الإجراءات الجديدة، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن وسائل إعلام رسمية إيرانية.
كما وجهت البحرية الإيرانية الشكر لقادة ومالكي السفن في الخليج العربي وخليج عُمان على تعاونهم في الالتزام باللوائح المنظمة لعبور المضيق، في إشارة إلى تحسن نسبي في الوضع الملاحي.
وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، تعليق عملية “مشروع الحرية” التي كانت تستهدف مرافقة السفن العالقة في مضيق هرمز، لإفساح المجال أمام التوصل إلى اتفاق، مع التأكيد على استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
تعكس التطورات الأخيرة مزيجاً معقداً من الإشارات السياسية والعسكرية، حيث يقترب الطرفان من تفاهم محتمل، بينما تظل أدوات الضغط قائمة، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من ردود قد تحدد مسار الأزمة بشكل نهائي.

