لعقود طويلة، توجهت بوصلة الأمن القومي الأميركي نحو الشرق الأوسط والجماعات الجهادية العابرة للحدود، في حرب مفتوحة شكلت ملامح السياسة الخارجية لواشنطن. غير أن صياغة العقائد الأمنية تتغير بالضرورة عندما تقرر قوة كبرى إعادة تعريف أعدائها؛ فهذه الخطوة تُعيد هندسة الأولويات الاستراتيجية بالكامل.
وقد تجاوزت التهديدات في المرحلة الحالية مقياس المسافات البعيدة، لتقترب وتلامس الحدود الجنوبية، وتتغلغل في الداخل السياسي المتوتر، وتتصل في الوقت نفسه بالخصوم التقليديين في الممرات المائية الحساسة، لتتخطى الاستراتيجية الجديدة التي وقعها الرئيس الأميركي فكرة التحديث الروتيني للسياسات السابقة، وتؤسس تحولًا جذريًّا يطرح تساؤلات معقدة حول ماهية التهديد القادم، وكيفية إدارة واشنطن لمعاركها على جبهات ظلت غائبة عن القوائم الرسمية للإرهاب.
هذا ما حدث تحديدًا عندما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الإرهاب، وذكر سيباستيان غوركا، مدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، أن الوثيقة تنطلق من مبدأ يؤكد أن أميركا هي الوطن ويجب أن تتم حمايته، حيث يتمثل المعنى الأهم هنا، بحسب تحليل المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، في اتساع مفهوم مكافحة الإرهاب في ولاية ترمب الجديدة مقارنة بالنموذج التقليدي الذي انشغل لسنوات طويلة بتنظيمات محددة مثل القاعدة، إذ يضم اليوم تهديدات حدودية، وشبكات إجرامية، وتيارات سياسية محلية، إلى جانب خصوم إقليميين تعتبرهم واشنطن رعاة أو محفزين للعنف.
وهذا التوسّع هو ما يمنح الإدارة مساحة سياسية وأمنية أكبر، ويفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الحدود الفاصلة بين الإرهاب، والجريمة المنظمة، والتطرف الداخلي، والخصومة الجيوسياسية.
مكافحة الإرهاب أمريكيًا.. إعادة تعريف التهديد
وفقًا لتصريحات غوركا التي أوردتها شبكة «يو إس نيوز»، تتصدر أولوية تحييد التهديدات في نصف الكرة الغربي أهداف الاستراتيجية الجديدة، ويتم ذلك عبر جعل الكارتلات غير قادرة على إدخال المخدرات وعناصرها وضحايا الاتجار بالبشر إلى الولايات المتحدة.
تعكس هذه الصياغة، كما يشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في أبحاثه المتعلقة بسياسات ترمب الأمنية، تعامل البيت الأبيض مع الكارتلات باعتبارها تحديًا يتجاوز ملف المخدرات التقليدي، ليدفع بها إلى قلب البنية المفاهيمية لمكافحة الإرهاب نفسها.
وينسجم هذا التحول مع تقارير موقع «بوليتيكو» حول رؤية الإدارة التي توسع تعريف التهديد الإرهابي في الولاية الثانية لترمب، ليضم جماعات إجرامية عابرة للحدود في أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى.
في القراءة العملية، تتجاوز هذه الوثيقة حماية الداخل الأميركي من الهجمات المباشرة، لتنقل مركز الثقل إلى المجال الحيوي القريب من الحدود الجنوبية، حيث تتداخل الهجرة غير النظامية، والتهريب، والاتجار بالبشر، والعنف المسلح.
ويدمج هذا التوجه ملفات الأمن القومي، ومكافحة الإرهاب، وحماية الحدود في إطار واحد يعكس رؤية أميركا أولًا.
سياسة مكافحة الإرهاب.. عقدة الداخل الأمريكي
ومع ذلك، يبقى الشق الأكثر إثارة للجدل في تصريحات غوركا هو ذلك الذي يتعلق بإعلانه استهداف جماعات سياسية علمانية عنيفة معادية لأميركا أو فوضوية داخل الولايات المتحدة، مسمّيًا من بينها حركة «أنتيفا». إذ تعهد المستشار الرئاسي باستخدام كل الأدوات المتاحة دستوريًّا لرسم خرائط هذه المجموعات، وتحديد عضويتها، ورصد صلاتها الدولية، ثم تقويض قدرتها العملياتية قبل تنفيذها أي أعمال عنف مادي.
وقد ظهرت بوادر هذا التوجه سابقًا كما اشير صحيفة «نيويورك تايمز» في أبريل، حينما كانت إدارة ترمب تدفع حلفاءها إلى توسيع أدوات مكافحة الإرهاب باتجاه أقصى اليسار، في ظل غياب أدلة واسعة معلنة من الإدارة حول تشكيل هذا التيار خطرًا داهمًا بحجم ما توحي به رسائلها السياسية، حيث يصبح ذكر «أنتيفا» داخل الوثيقة الجديدة، وفقًا للصحيفة ذاتها، جزءًا من مسار أسبق يستهدف تغيير العنوان السياسي والأمني للنقاش حول التطرف الداخلي في الولايات المتحدة.
إلا أن هذا المسار يصطدم بعقدة قانونية وفكرية شديدة الحساسية؛ فدراسة المركز الدولي لمكافحة الإرهاب تصف «أنتيفا» بكونها عنوانًا مظليًّا أو أيديولوجيا فضفاضة، وتستبعد امتلاكها هيكلًا تنظيميًّا مركزيًّا بعضوية واضحة وقيادة محددة.
ووفق تحليل المركز عينه، يخلو القانون الأميركي أصلًا من إطار دستوري لتصنيف منظمة إرهابية محلية على نحو موازٍ لقوائم التنظيمات الأجنبية.
ويؤكد تحليل نشره موقع «جاست سيكيوريتي» التابع لجامعة نيويورك أن هذا التوسيع المفرط لمفهوم الإرهاب الداخلي يثير نقاشًا أوسع حول الحريات المدنية، وحدود المراقبة، واستخدام أدوات استثنائية ضد بيئات احتجاجية متباينة.
الإرهاب وإيران والممرات
في موازاة ملف التطرف الداخلي، كشف غوركا في تصريحاته المنشورة عبر «رويترز» عن عقد مسؤولي مكافحة الإرهاب الأميركيين اجتماعًا مع شركاء دوليين في 8 مايو، لبحث كيفية زيادة جهود الحلفاء في مواجهة التهديدات الإرهابية، خصوصًا تلك المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.
يدل إدراج إيران بهذه الصيغة، وفقًا لقراءات المراكز الأمنية، على رؤية الاستراتيجية للتهديد الإيراني كملف يتجاوز الشرق الأوسط بوصفه نزاعًا إقليميًّا، ليدخل ضمن منظومة أوسع من الردع الأمني والتنسيق الدولي المباشر.
وتعزّز هذه القراءة تقديرات بحثية للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب التي ترجح اضطرار الإدارة الجديدة للتعامل مع التطرف المدعوم من الدولة في صورة محور المقاومة الإيراني، شاملًا ميليشيات عراقية وسورية مختلفة. بينما تذهب دراسة حديثة لمؤسسة «ستيمسون» للأبحاث إلى احتفاظ هذا المحور بقدر من المرونة والقدرة على إعادة التموضع، رغم الضربات القاسية التي تلقاها، خصوصًا عبر شبكات النفوذ غير المباشر.
ويؤكد اقتران مضيق هرمز بإيران في الاستراتيجية الجديدة على ربط ملف مكافحة الإرهاب بأمن الممرات الاستراتيجية، ليتحول أي تهديد بحري إلى اختبار حقيقي لقدرة واشنطن على طمأنة الحلفاء وحماية التدفقات الحيوية.
أمريكا والإرهاب.. أين تقف الأرقام؟
يواجه التوجه نحو «أنتيفا» والجماعات الفوضوية سؤالًا أساسيًّا يتعلق بطبيعة الخطر الأكثر فتكًا داخل الولايات المتحدة وفق الإحصائيات الرسمية. إذ تُظهر بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS» تصدر اليمين المتطرف لمسؤولية الهجمات والمؤامرات الإرهابية في الولايات المتحدة بنسب ساحقة خلال السنوات الماضية، مع تصاعد العنف المتبادل بين متطرفين من اتجاهات متقابلة في سياق الاستقطاب السياسي.
وبينما تعترف هذه المعطيات بوجود عنف من أقصى اليسار، تضعه داخل صورة أشمل تشير إلى تعقيد مشهد التهديد المحلي واستحالة اختزاله في تيار واحد.
وقد نقلت وكالة «رويترز» عن غوركا تأكيده تعامل الاستراتيجية مع الجماعات اليمينية التي تحرض على العنف، إلى جانب استهداف وتدمير الحركة الجهادية العالمية وتنظيم القاعدة.
ويساعد هذا التفصيل الإدارة على تقديم الوثيقة كإطار شامل لمختلف أطياف التطرف أمام الرأي العام. ويكشف الوزن السياسي والإعلامي الممنوح لحركة «أنتيفا» رغبة البيت الأبيض في إرسال رسالة رمزية قوية تفيد بتجاوز التهديد لحدود التنظيمات الجهادية التقليدية.
جبهات مفتوحة وتداعيات مؤجلة
إن إعادة صياغة خريطة التهديدات الأميركية لتشمل فاعلين غير تقليديين في الداخل وجوار الحدود، تضع الإدارة أمام اختبار عملي يتجاوز مجرد إعلان النوايا.
ويتخطى التحدي الحقيقي حدود رسم الخطاب الأمني الجديد، ليمتد إلى القدرة على تفعيل هذه البنود داخل أروقة المحاكم، وعلى طول الحدود المشتركة، وفي مياه الخليج المضطربة.
كما تفتح هذه الاستراتيجية الباب أمام مرحلة تتداخل فيها الجريمة المنظمة مع الصراع السياسي الداخلي والتوترات الجيوسياسية، لتترك واشنطن أمام معارك قانونية وأمنية توازي في تعقيداتها الحروب الخارجية.
ويبقى أن تكشف الأيام المقبلة مدى قدرة هذه الوثيقة على تغيير قواعد اللعبة فعليًّا، وحجم اصطدامها بتعقيدات الواقع الدستوري والسياسي الذي يخضع لحسابات تتجاوز حدود المكتب البيضاوي.

