تحولت رحلة سياحية فاخرة عبر المحيط الأطلسي إلى كابوس طبي مغلق، بعدما تحولت السفينة الاستكشافية «إم في هونديوس» إلى مسرح لتفشي فيروس «هانتا» القاتل.
وتتجاوز هذه الحادثة كونها مجرد أزمة صحية عابرة، لتشكل لغزًا وبائيًا نادرًا، حيث ينتقل الفيروس عادة من القوارض، ليجد نفسه هذه المرة محاصرًا داخل غرف ركاب معزولين في عرض البحر، وسط استنفار من منظمة الصحة العالمية وتحقيقات عاجلة حول مسارات العدوى.
أسفر التفشي حتى الآن عن وفاة ثلاثة أشخاص، مع وجود حالات إصابة مؤكدة مخبريًا وأخرى قيد الاشتباه، وفق ما أعلنت منظمة الصحة العالمية حتى بداية شهر مايو 2026.
وتعكس هذه الأرقام تصاعدًا حادًا في مستوى الخطر، مما استدعى تفعيل بروتوكولات العزل والإخلاء الطبي العاجل من السفينة إلى مستشفيات مجهزة.
طبيعة الفيروس القاتل
يصنف فيروس «هانتا» ضمن مجموعة الفيروسات التي تحملها القوارض، وتنتقل العدوى إلى البشر عادة عبر استنشاق الجسيمات العالقة في الهواء والناتجة عن فضلات القوارض الجافة أو بولها أو لعابها.
وتتسم الأعراض الأولية بالحمى والإرهاق ومشاكل في الجهاز الهضمي، وتتطور بسرعة لدى الحالات الشديدة إلى ضيق تنفس حاد والتهاب رئوي وتدهور سريع في الحالة الصحية قد يؤدي إلى الوفاة.
يكمن اللغز الوبائي في هذه الأزمة في كيفية تسلل الفيروس إلى بيئة بحرية مغلقة.
وتفترض منظمة الصحة العالمية أن العدوى قد تكون حدثت قبل صعود الركاب إلى السفينة، خصوصاً وأن بعض المشاركين في الرحلة مارسوا هواية مراقبة الطيور والحياة البرية في جزر قبالة الساحل الأفريقي والتي تضم أعداداً من القوارض.
لغز انتقال العدوى بين البشر
وتحقق منظمة الصحة العالمية في احتمالية نادرة تتمثل في انتقال العدوى من إنسان إلى إنسان آخر داخل السفينة.
وأشارت ماريا فان كيركوف، من المنظمة، إلى أن التلامس الوثيق بين الأشخاص الذين يتشاركون الغرف (المقصورات)، مثل الأزواج، قد يسهل هذا النوع النادر من انتقال العدوى.
ويزيد هذا الافتراض من تعقيد جهود الاحتواء، كونه ينقل الفيروس من خانة «العدوى البيئية» المرتبطة بالقوارض إلى خانة «العدوى البشرية المباشرة» داخل مساحة محدودة.
وانطلقت السفينة السياحية «إم في هونديوس»، التي ترفع العلم الهولندي وتديرها شركة «Oceanwide Expeditions»، من الأرجنتين في مسار يشمل جزر فوكلاند متجهة عبر المحيط الأطلسي إلى الرأس الأخضر ثم إلى جزر الكناري الإسبانية.
وكانت السفينة تقل 170 راكبًا و71 من أفراد الطاقم.
تسلسل زمني للإخلاء والوفيات
وبدأ الكابوس بوفاة راكب على متن السفينة، حيث نُقل جثمانه لاحقًا إلى جزيرة سانت هيلانة.
وتوفيت راكبة أخرى تبلغ من العمر 69 عامًا في مستشفى بجوهانسبرج بعد إجلائها، فيما لا يزال مواطن بريطاني في العمر ذاته يتلقى العلاج في العناية المركزة في جنوب أفريقيا.
وأكدت منظمة الصحة العالمية تسجيل الوفاة الثالثة لاحقاً، مع استمرار الإبلاغ عن حالات إصابة إضافية تتراوح بين الخفيفة والحرجة.
مراجعة بروتوكولات السفر البحري
وتضع هذه الحادثة بروتوكولات السفر والسياحة البحرية أمام اختبار جدي، خاصة في الرحلات الاستكشافية التي تتضمن نزولًا في مناطق برية نائية.
ورغم تأكيد المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض أن خطر الفيروس على الصحة العامة منخفض جدًا، تستمر التحقيقات الدولية لتحديد مصدر العدوى الدقيق وتطويق تداعياتها.
وتبقى سفينة «هونديوس» شاهدة على كيف يمكن لطبيعة برية أن تنقل تهديدًا مميتًا إلى قلب المحيط.

