تحولت رحلة السفينة الهولندية «MV Hondius» من مسار استكشافي عبر جنوب الأطلسي إلى أزمة صحية دولية مفتوحة، بعدما ارتبطت بها حالات إصابة بفيروس «هانتا» أفضت إلى ثلاث وفيات وأطلقت عمليات تتبع ومراقبة في أكثر من دولة.
ومع تحديثات 7 مايو، جرى الحديث عن خمس حالات مؤكدة وثلاث حالات مشتبه بها مرتبطة بالرحلة، في وقت شددت فيه منظمة الصحة العالمية والسلطات الأمريكية على أن الخطر على عموم الجمهور ما يزال منخفضاً.
كيف بدأت حكاية هانتا في الأطلسي؟
وفق منظمة الصحة العالمية، فإن السفينة غادرت أوشوايا في الأرجنتين يوم 1 أبريل الماضي، وكانت تقل 147 شخصًا من الركاب وأفراد الطاقم، قبل أن تُبلَّغ المنظمة في 2 مايو بوجود تجمع من الإصابات التنفسية الحادة على متنها.
تقول المعطيات الأوروبية إن ظهور الأعراض سُجِّل بين 6 و28 أبريل، وتمثل في الحمى وأعراض هضمية وتدهور سريع نحو الالتهاب الرئوي ومتلازمة الضائقة التنفسية الحادة والصدمة، بينما كانت السفينة قد اتبعت مسارًا بحريًا تضمن عدة محطات توقف قبل انتقالها نحو أوروبا.
وبحسب الإفادات التي نقلتها التغطيات الصحية عن منظمة الصحة العالمية، فإن أول حالتين معروفتين كانتا لزوجين سافرا في الأرجنتين وتشيلي وأوروغواي قبل صعودهما إلى السفينة، بما في ذلك مواقع وُجد فيها القارض المرتبط بسلالة «الأنديز»، وهو ما جعل فرضية التعرض للفيروس قبل الإبحار جزءًا أساسيًا من مسار التحقيق الجاري حاليًا.
كما أكدت المنظمة أن احتمال الانتقال بين البشر لا يمكن استبعاده في هذا التفشي، وهو ما منح الحادثة بعدًا مختلفًا عن الصورة التقليدية لفيروسات «هانتا» المرتبطة عادة بالقوارض فقط.
فيروس هانتا.. سلالة نادرة
تزداد حساسية هذا الملف لأن المعهد الوطني الهولندي للصحة العامة والبيئة قال إن الفيروس المرتبط بالسفينة هو سلالة «الأنديز» من فيروسات «هانتا»، وهي سلالة معروفة بقدرتها على التسبب في أعراض أشد من كثير من السلالات الأخرى.
كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن انتقال العدوى من إنسان إلى آخر سُجِّل بشكل محدود في تفشيات سابقة مرتبطة بهذه السلالة، وهو ما يفسر الحذر الكبير في إدارة المخالطين داخل السفينة وخارجها.
وفي أحدث المتابعات، كانت السفينة في طريقها إلى تينيريفي بإسبانيا، بينما استمرت الفحوص والتقصيات الوبائية والمخبرية، بما في ذلك أعمال التسلسل الجيني، لفهم ما إذا كان هذا التفشي يعكس نمطًا انتقاليًا معروفًا أم ظروفًا، خاصةً فرضها المكان المغلق وطول الرحلة.
وعلى هذا الأساس، بدا واضحًا أن القضية لم تعد مجرد حدث صحي على متن سفينة، وإنما اختبار لقدرة أنظمة الصحة العامة على ملاحقة عدوى نادرة تتحرك مع المسافرين بين القارات.
الأربعون المفقودة.. هل تفشى هانتا؟
أحد أكثر أوجه الأزمة تعقيدًا أن نحو 40 شخصًا غادروا السفينة في سانت هيلينا يوم 24 أبريل، وهو ما وسَّع نطاق الاستجابة من داخل السفينة إلى شبكة دولية من الاتصال بالمخالطين ومراقبتهم صحيًا.
وفي الولايات المتحدة، قالت إدارة الصحة العامة في جورجيا إنها تراقب مقيمين عادا من الرحلة من دون ظهور مؤشرات إصابة عليهما، فيما أعلنت كاليفورنيا أنها تنسق مع السلطات المحلية لمتابعة العائدين عند الحاجة، وأكدت أريزونا أنها تتابع يوميًا حالة أحد السكان العائدين من الرحلة من دون أعراض حتى الآن.
كما أفادت متابعات صحفية أمريكية بأن 17 أميركيًا ظلوا على متن السفينة، بينما كانت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تعمل على إعداد إرشادات علنية جديدة للتعامل مع الحالات المحتملة والمخالطين.
وذكرت ABC News أن المركز صنف الاستجابة عند «المستوى الثالث» للطوارئ، وهو أدنى مستويات التفعيل لديه، في مؤشر على أن الوكالة تتعامل مع الحدث بجدية تنظيمية من دون اعتباره تهديداً واسع النطاق على الجمهور.
وفي بيان رسمي صدر في 6 مايو، قالت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إن الإدارة الأمريكية تراقب الوضع عن كثب في ضوء وجود مسافرين أميركيين على متن السفينة، وإن وزارة الخارجية تقود استجابة حكومية منسقة تشمل التواصل المباشر مع الركاب والتنسيق الدبلوماسي والصحي مع الجهات المحلية والدولية.
وعلى الجانب الأوروبي، نشر المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض تقييمًا موجزًا للحادثة وأرفقه بملحق يتضمن نصائح سريعة لإدارة ركاب «هونديوس» عند نقطة الوصول داخل الاتحاد الأوروبي.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن العدوى البشرية بفيروسات «هانتا» ترتبط أساسًا بالتعرض لبول القوارض المصابة أو برازها أو لعابها، بينما توضح مصادر طبية أن الأعراض تبدأ عادة بحمى وقشعريرة وآلام عضلية وصداع، ثم قد تتطور سريعًا إلى سعال وضيق في التنفس وهبوط في الضغط ومضاعفات خطرة في القلب والرئتين.
وتضيف المصادر نفسها أن العلاج النوعي المباشر غير متوافر، لكن التدخل المبكر والرعاية الطبية السريعة يحسنان فرص النجاة، وهو ما يفسر السرعة التي تتعامل بها السلطات الصحية مع أي حالة مشتبه بها على صلة بهذه الرحلة.
وتستدعي هذه الأزمة أيضًا ذاكرة تفشٍ سابق لسلالة «الأنديز» في بلدة «إيبوين» بالأرجنتين عام 2018، إذ أشارت تغطيات علمية حديثة إلى أن ذلك التفشي أصاب 34 شخصًا وأدى إلى 11 وفاة.
كما أظهرت دراسة منشورة في «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن» أن العدوى انتقلت في عدة مناسبات خلال الأيام الأولى من ظهور الحمى.
وحتى الآن، تبدو قضية «هونديوس» أكثر من مجرد تفشٍ نادر على متن سفينة، لأنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا يحدث عندما تلتقي سلالة محدودة الانتقال بين البشر ببيئة سفر مغلقة وعابرة للحدود في الوقت نفسه؟

