تشهد أسواق الطاقة العالمية ضغوطاً متصاعدة مع استمرار حرب إيران وما تبعها من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما أدى إلى استنزاف سريع وغير مسبوق في المخزونات العالمية، وأثار مخاوف واسعة من قفزات حادة في الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وتشير التقديرات إلى أن السوق فقدت أكثر من مليار برميل من الإمدادات خلال شهرين فقط من اضطراب الملاحة، وهو ما انعكس مباشرة على مستويات المخزون، ورفع احتمالات حدوث نقص في الإمدادات مع محدودية الخيارات المتاحة أمام الحكومات والصناعات لتعويض هذا العجز.
وبحسب تقديرات بنك “جيه بي مورجان تشيس آند كو”، فإن المخزونات العالمية تتعرض لسحب يومي كبير يضع النظام النفطي العالمي تحت ضغط متزايد، مع اقتراب بعض المؤشرات من مستويات حرجة، حيث لم يعد كل المخزون قابلاً للاستخدام الفعلي بسبب ما يعرف بالحد الأدنى التشغيلي.
وفي السياق نفسه، أشار بنك “غولدمان ساكس غروب” إلى أن المخزونات العالمية القابلة للرصد باتت قريبة من أدنى مستوياتها منذ عام 2018، رغم وجود بعض التراجع في وتيرة السحب نتيجة ضعف الطلب من الصين، أكبر مستورد للنفط عالمياً.
ضغط على الاحتياطيات الاستراتيجية والتجارية
وتتوزع المخزونات بين احتياطيات استراتيجية تحتفظ بها الحكومات، ومخزونات تجارية لدى الشركات والمصافي والمتعاملين، إلا أن الضغوط الحالية تطال كلا الجانبين مع استمرار استهلاك الإمدادات دون تعويض كافٍ.
وتتركز أكثر نقاط القلق في عدد من الدول الآسيوية المعتمدة على الاستيراد، مثل إندونيسيا وفيتنام وباكستان والفلبين، حيث تشير التقديرات إلى احتمال بلوغ مستويات حرجة خلال فترة قصيرة، في حين لا تزال الصين في وضع أكثر استقراراً نسبياً.
وفي أوروبا، تتزايد الضغوط على مخزونات وقود الطائرات مع اقتراب موسم السفر الصيفي، وسط توقعات بوصولها إلى مستويات حرجة خلال يونيو، ما يزيد من احتمالات حدوث اختناقات في الإمدادات.
كما حذرت ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع العالمية في بنك “جيه بي مورجان”، من أن بعض أسواق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد تصل إلى “مستويات ضغط تشغيلي” خلال الشهر المقبل إذا استمر إغلاق المضيق، مع احتمال بلوغ مستويات الحد الأدنى اللازمة لتشغيل النظام النفطي بحلول سبتمبر.
تراجع المخزونات في الولايات المتحدة
وفي الولايات المتحدة، أظهرت البيانات انخفاض المخزونات المحلية من الخام والوقود إلى ما دون متوسطاتها التاريخية، في ظل ارتفاع الصادرات واستمرار السحب من الاحتياطي الاستراتيجي.
كما تراجعت مخزونات نواتج التقطير إلى أدنى مستوى منذ عام 2005، بينما اقتربت مخزونات البنزين من أدنى مستوياتها الموسمية منذ عام 2014، ما يعكس ضغطاً إضافياً على السوق الأميركية.
ورغم بدء بعض شركات النفط في زيادة الإنتاج، إلا أن مسؤولين في القطاع حذروا من استمرار تراجع المخزونات على المدى القصير، خاصة في حال استمرار اضطراب الإمدادات عبر الخليج.
تأثيرات عالمية متسارعة
وأدى الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود عالمياً، ما ساهم في زيادة معدلات التضخم وتنامي مخاطر تباطؤ الاقتصاد العالمي، مع تسجيل آثار مباشرة في أسواق مختلفة، بينها نقص غاز البترول المسال في الهند، وإلغاء رحلات جوية، وارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة.
كما تشير تقديرات شركات تجارة الطاقة إلى أن بعض الدول الآسيوية، خصوصاً ذات الاعتماد الكبير على الاستيراد، قد تواجه ضغوطاً حادة خلال أسابيع إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، في حين قد تمتد الضغوط لاحقاً إلى أوروبا مع تزايد الطلب الموسمي.
ورغم وجود بعض المخزونات المطمئنة في دول مثل الصين وكوريا الجنوبية، فإن التحذيرات تشير إلى أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى إعادة رسم خريطة تدفقات النفط العالمية، وفرض موجة إعادة تخزين واسعة لاحقاً قد تضيف طلباً جديداً على السوق.
وتخلص التقديرات إلى أن أسواق النفط دخلت مرحلة حساسة تتسم بانخفاض الهوامش الاحتياطية وارتفاع مخاطر التقلب، مع بقاء مصير الإمدادات مرتبطاً بتطورات الصراع وإمكانية إعادة فتح الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

