في مشهد يعيد إلى الأذهان كوابيس الجائحة العالمية، ترسو السفينة السياحية «إم في هونديوس» قبالة سواحل جزر الكناري الإسبانية، محاطةً بإجراءات أمنية وطبية تتجاوز حدود الحذر المعتاد إلى مستوى الاستنفار العسكري.
التناقض الصارخ بدا جليًا بين المشاهد القادمة من ميناء «جراناديلا» في تينيريفي، حيث يُنقل الركاب وسط حراسة أطقم ترتدي بدلات العزل الكيميائي الكاملة وتُرش المطهرات بكثافة، وبين التصريحات الرسمية التي تحاول تهدئة روع العالم.
هذا التناقض تجسد في كلمات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الذي حاول طمأنة الرأي العام قائلًا: «لقد كررنا الإجابة ذاتها مرات عديدة، هذا ليس كوفيد آخر. والخطر على الجمهور منخفض. لذا يجب ألا يخافوا، وألا يصابوا بالذعر».
غير أن الواقع على الأرض يشير إلى أن الحكومات تتعامل مع الحدث بأقصى درجات التطرف الوقائي، مدفوعة بـ«صدمة ما بعد الجائحة» وتخوفًا من تكرار مأساة الإغلاقات العالمية.
بروتوكولات الرعب اللوجستي ورحلة العودة
وقد فرضت السلطات بروتوكولات قاسية على عملية الإجلاء، حيث تم تجريد الركاب وأفراد الطاقم المغادرين من أمتعتهم بالكامل، وسُمح لهم فقط باصطحاب حقيبة صغيرة تضم الأساسيات والوثائق لتجنب انتقال العدوى.
نُقل الركاب عبر قوارب صغيرة من السفينة الموبوءة إلى الرصيف البحري، ليتسلمهم مسؤولون مرتدين معدات الحماية الكاملة وأقنعة التنفس، وتوجيههم إلى حافلات معزولة تنقلهم إلى منشآت الحجر الصحي تمهيدًا لترحيلهم عبر طائرات عسكرية وحكومية.
الركاب الإسبان كانوا طليعة المغادرين، حيث نُقلوا جوًا إلى العاصمة مدريد وأُودعوا في مستشفى عسكري.
وفي تطور دراماتيكي، ظهرت أعراض الإصابة على أحد الركاب الفرنسيين الخمسة أثناء رحلة الإجلاء الجوية، ما دفع السلطات في باريس، وفقًا لتصريحات رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو، إلى وضع جميع الركاب العائدين في عزل صارم بالمستشفى بانتظار إجراء الفحوصات الطبية.
وتفاوتت درجات الصرامة في بروتوكولات الحجر بين الدول المستقبلة لمواطنيها؛ فبينما ستنقل الولايات المتحدة ركابها إلى مركز طبي متخصص في ولاية «نبراسكا»، قررت فرنسا إخضاع مواطنيها لرقابة طبية في المستشفى لمدة 72 ساعة، تليها فترة حجر منزلي مشددة تمتد لـ 45 يومًا.
ومن جهتها، أرسلت أستراليا طائرة لإجلاء ركابها وركاب دول مجاورة، بينما خصصت النرويج طائرة إسعاف مجهزة بأطقم مدربة على التعامل مع الإصابات عالية المخاطر.
رحلة «سفينة الموت» نحو التطهير
وبعيدًا عن صخب الإجلاء الجوي، تواجه السفينة «هونديوس» مصيرًا قاتمًا؛ إذ تستعد للإبحار في رحلة تستغرق 5 أيام نحو ميناء روتردام الهولندي لإجراء عمليات تطهير شاملة.
وستحمل السفينة على متنها طاقمًا مصغرًا فقط، إلى جانب جثمان أحد الركاب الذي فارق الحياة على متنها جراء الإصابة بالفيروس، في حين بلغت الحصيلة الإجمالية حتى الآن 3 وفيات وإصابة 5 ركاب آخرين غادروا السفينة في وقت سابق.
إنزال مظلي في أقصى الأرض
وفي مشهد يجسد ذروة الاستنفار العالمي، لم تكتفِ الحكومات بإجراءات المطارات والموانئ، بل امتدت يد الطوارئ إلى أبعد نقطة مأهولة على كوكب الأرض.
فقد نفذت مجموعة من المظليين العسكريين والأطباء السريريين التابعين للجيش البريطاني عملية إنزال جوي معقدة في إقليم «تريستان دا كونا» النائي في جنوب المحيط الأطلسي.
الهدف من هذه العملية العسكرية التي شملت إسقاط معدات طبية وأكسجين من طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الملكي، كان الوصول إلى مريض واحد يُشتبه في إصابته بالفيروس، وهو راكب سابق غادر السفينة «هونديوس» الشهر الماضي إلى تلك الجزيرة البركانية المعزولة، التي لا يمكن الوصول إليها عادة إلا عبر رحلة بحرية تستغرق 6 أيام من جنوب أفريقيا، مما يؤكد أن الاستجابة الدولية تتجاوز بكثير مجرد «الخطر المنخفض».
ينتشر فيروس «هانتا» في العادة عندما يستنشق البشر البقايا الملوثة لفضلات القوارض، وتُعد مسألة انتقاله بين البشر شبه معدومة في السلالات التقليدية.
غير أن الفحوصات التي أُجريت على تفشي السفينة السياحية أثبتت وجود سلالة «الأنديز» من الفيروس، وهي السلالة الوحيدة المعروفة علمياً بقدرتها على الانتقال من إنسان لآخر في حالات نادرة.
هذه الخاصية الفريدة والمقلقة علميًا هي المبرر الفعلي والوحيد خلف استخدام الدول لفرق التدخل البيولوجي، وارتداء بدلات العزل الكيميائي المتقدمة (Hazmat suits)، وعزل الأمتعة بالكامل، خوفًا من تحور الفيروس أو تفشيه بين فرق الإنقاذ.

