في وقتٍ يترقب فيه العالم مآلات المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، بدت الأسواق العالمية وكأنها تتحرك على حافة توتر جيوسياسي واقتصادي بالغ الحساسية، إذ استعادت الأسهم الأوروبية جزءاً من خسائرها الحادة، بينما تباين أداء الأسواق الآسيوية تحت ضغط المخاوف من التضخم وأسعار الطاقة، وسط ترقب حذر للقمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين.
انتعاش أوروبي بعد جلسة نزيف حادة
ارتفعت الأسهم الأوروبية في مستهل تعاملات الأربعاء، مستفيدة من تراجع أسعار النفط نسبياً رغم استمرار تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وهو ما خفف مؤقتاً من مخاوف المستثمرين بشأن اضطرابات الإمدادات العالمية والطاقة.
وصعد مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 0.7% ليصل إلى 611.06 نقطة، بعدما كان قد أنهى جلسة الثلاثاء على خسائر تجاوزت 1%، في واحدة من أسوأ جلساته خلال الأسابيع الأخيرة. كما ارتفعت مؤشرات رئيسية أخرى، من بينها مؤشر “داكس” الألماني ومؤشر “إيبكس 35” الإسباني بنسبة تراوحت بين 0.6% و0.7%.
ورغم هذا التعافي، لا تزال الأسواق الأوروبية تتعامل بحذر شديد مع استمرار الضبابية السياسية في الشرق الأوسط، خاصة مع تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية وفشل الطرفين في تجاوز “الخطوط الحمراء” المتعلقة بالحرب ومضيق هرمز.
وقالت بريانكا ساشديفا، كبيرة محللي السوق في شركة “فيليب نوفا”، إن “المخاوف المرتبطة باضطرابات الإمدادات وعدم اليقين الجيوسياسي لا تزال تبقي أسعار النفط مدعومة، حتى مع غياب اتجاه واضح للأسواق”.
نتائج الشركات تمنح الأسواق بعض الدعم
وفي خضم التوترات الجيوسياسية، تلقت الأسواق الأوروبية دعماً من نتائج أعمال الشركات، مع توقعات بأن تحقق أرباح الشركات الأوروبية خلال الربع الحالي أسرع معدل نمو منذ نحو ثلاث سنوات.
وأظهرت بيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن أن الأرباح الأوروبية مرشحة للنمو بنسبة 10.2% خلال الربع الأول، ما ساهم في تهدئة بعض المخاوف المتعلقة بتباطؤ الاقتصاد العالمي.
وبرز سهم شركة Merck الألمانية كأحد أبرز الرابحين بعدما قفز بنحو 8% عقب رفع الشركة توقعاتها للأرباح التشغيلية المعدلة للعام بأكمله.
كما ارتفع سهم Allianz بنسبة 1.6% بعد إعلان شركة التأمين الألمانية تسجيل قفزة بلغت 52% في صافي أرباح الربع الأول.
آسيا بين التضخم والحرب وترقب قمة بكين
في المقابل، اتسم أداء الأسواق الآسيوية بالتباين، في ظل استمرار المخاوف من تداعيات الحرب مع إيران وتأثيراتها التضخمية، إلى جانب الترقب المكثف للقمة الأميركية الصينية المرتقبة في بكين.
وجاءت التحركات الآسيوية متأثرة بإغلاق ضعيف في “وول ستريت”، بعدما أظهرت بيانات التضخم الأميركية قراءة أعلى من التوقعات، وهو ما عزز المخاوف من استمرار السياسة النقدية المتشددة للاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
لكن بعض أسهم التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية منحت الأسواق الآسيوية دعماً واضحاً، بعد تقارير تحدثت عن انضمام الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA، Jensen Huang، إلى وفد ترمب خلال زيارته الرسمية إلى الصين.
وأثار ذلك تفاؤلاً بإمكانية تخفيف القيود المفروضة على قطاع الرقائق وزيادة صادرات التكنولوجيا إلى السوق الصينية، ما انعكس إيجاباً على أسهم شركات التكنولوجيا الآسيوية.
كوريا الجنوبية واليابان تقودان المكاسب
وكان مؤشر “كوسبي” الكوري الجنوبي الأفضل أداءً في المنطقة، بعدما ارتفع بنسبة 1.4% مقترباً مجدداً من مستوياته القياسية الأخيرة.
كما قفز سهم شركة SK Hynix بنسبة 4%، في حين تمكن سهم Samsung Electronics من تعويض خسائره المبكرة رغم استمرار المخاوف المتعلقة بإضرابات محتملة في مصانع الرقائق.
وفي اليابان، سجل مؤشرا “نيكي 225” و”توبكس” مكاسب بلغت 0.7% و1.2% على التوالي، بدعم من ارتفاع أسهم التكنولوجيا.
أما في أستراليا، فقد تعرض مؤشر “إيه إس إكس 200” لضغوط بعدما تراجع سهم Commonwealth Bank of Australia بنسبة 10% إثر تخصيص البنك مخصصات أكبر لمواجهة المخاطر المرتبطة بالشرق الأوسط.
الشرق الأوسط يفرض إيقاعه على الاقتصاد العالمي
ورغم الهدوء النسبي في بعض الأسواق، لا تزال الحرب في الشرق الأوسط تمثل العامل الأكثر تأثيراً على حركة المستثمرين، خصوصاً مع استمرار التوتر في مضيق هرمز وارتفاع المخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في إمدادات النفط والطاقة.
كما تتجه الأنظار إلى القمة المرتقبة بين ترمب وشي جين بينغ، والتي يُنتظر أن تتناول ملفات شائكة تشمل الرسوم الجمركية، والذكاء الاصطناعي، وتايوان، إلى جانب تطورات الحرب مع إيران.
ويبدو أن الأسواق العالمية باتت تتحرك حالياً بين احتمالين متناقضين؛ إما انفراجة سياسية قد تدفع الأسواق نحو موجة صعود قوية، أو تصعيد جديد قد يعيد العالم إلى دائرة التضخم والاضطراب الاقتصادي الحاد.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تواصل الأسواق العالمية التحرك على وقع التصريحات السياسية والتطورات العسكرية، بينما يترقب المستثمرون أي إشارة قد تحدد الاتجاه المقبل للاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة والأسواق المالية خلال المرحلة المقبلة.

