في الوقت الذي تستمر فيه أزمة مضيق هرمز في إرباك المشهد العالمي، يشعر حراس ممر مائي حيوي آخر بقلق بالغ إزاء السابقة التي قد ترسيها هذه الأزمة لأي صدام مستقبلي محتمل بين الولايات المتحدة والصين.
وقالت شبكة «إن بي سي نيوز» الأمريكية إن الأنظار تتجه نحو «مضيق ملقا»، الذي يمر عبره أكثر من ربع حجم التجارة العالمية، بما في ذلك معظم إمدادات النفط التي تتدفق من الخليج العربي لتغذية الأسواق الآسيوية الرئيسية.
ويحيط بمضيق ملقا كل من سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا، وهو ممر مائي يفوق طوله مضيق هرمز بنحو خمسة أضعاف، بينما يضيق ليصبح أضيق منه بعشر مرات في أضيق نقاطه.
وتعتمد البضائع القادمة من الصين بشكل كبير على هذا المضيق، الذي يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ عبر بحر الصين الجنوبي.
وفي الوقت ذاته، يعمل المضيق كشريان حياة رئيسي لإمدادات الطاقة لحلفاء الولايات المتحدة، مثل كوريا الجنوبية واليابان والفلبين، مما يجعل السيطرة على هذا الممر المائي أمراً حاسماً في أي صراع مستقبلي بين واشنطن وبكين.
ولعقود من الزمن، حافظت الولايات المتحدة على وجود بحري قوي في جميع أنحاء المنطقة، حيث لعب الأسطول السابع التابع للبحرية الأمريكية دوراً نشطاً خلال حروب عدة في آسيا، بما في ذلك كوريا وفيتنام.
وقد أثار هذا الوجود المستمر حفيظة القادة في الصين، التي خضعت بحريتها لعمليات تحديث سريعة لتصبح اليوم الأكبر على مستوى العالم.
وفي هذا السياق، صرح القبطان البحري الأسترالي المتقاعد، شون أندروز، في إشارة إلى صراع مستقبلي افتراضي بين الولايات المتحدة والصين: «لو كنت أنا الجنرال البحري، لأغلقت ملقا.. في أي أزمة محتملة، سيكون ملقا بمثابة عملية حراسة بوابات من نوع ما.. سيسمح لسفن معينة بالمرور، ولن يسمح لأخرى».
وأضاف أندروز أن أي تعطيل للمضيق سيجبر السفن على اتخاذ مسارات بديلة مكلفة تستغرق أياماً، حيث ستضطر السفن إلى تغيير مسارها جنوباً عبر مضيق لومبوك، أو حول بحر جاوة بالقرب من جاكرتا، أو تجاوز الأرخبيل الإندونيسي بالكامل، مؤكداً أن ملقا هو «أسرع طريق لاجتياز عائق جغرافي مثل جنوب شرق آسيا».
ومع ذلك، قد لا يكون التعطيل المحتمل كارثياً بنفس قدر أزمة هرمز، التي تركت العديد من دول الخليج فعلياً بلا طريق للوصول إلى المحيط المفتوح، ففي حال إغلاق ملقا، توجد مسارات بديلة للسفن، مما يعني أن الإغلاق قد يكون بمثابة «إزعاج لوجستي» أكثر من كونه حاجزاً مطلقاً أمام التجارة.
وبدافع الحذر من أي ضعف جيوستراتيجي، أمضت الصين عقوداً من الزمن في البحث عن حل لما أطلق عليه الرئيس الصيني الأسبق، هو جينتاو، اسم «معضلة ملقا»، في مسعى لتقليل اعتماد بلاده على واردات النفط الخام التي تمر عبر المضيق.
وفي خطوة مستوحاة من إيران، اقترح وزير المالية الإندونيسي، بوربايا يودهي ساديوا، الشهر الماضي فرض رسوم «بوابات تحصيل»، قبل أن تتراجع حكومته عن هذا الاقتراح.
وفي هذا الصدد، جدد الوزير السنغافوري بالاكريشنان، في فعالية لشبكة «سي إن بي سي» في سنغافورة الشهر الماضي، التأكيد قائلاً: «ليس لدينا رسوم عبور، كلنا اقتصادات تعتمد على التجارة»، بينما شدد وزير الخارجية الماليزي محمد حسن على وجود «تفاهم محكم» بأنه لا يمكن إحداث تغييرات في مضيق ملقا دون إشراك جميع الدول المجاورة.
وعلى الصعيد الأمني، أعلن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، الشهر الماضي عن شراكة تعاون دفاعي مع إندونيسيا، حيث أكد بيان مشترك على «الالتزام بالتعاون القائم على الاحترام المتبادل والسيادة والمصلحة المشتركة في السلام والاستقرار الإقليميين».
وعلى عكس مضيق هرمز، الذي يفتقر إلى أي ترتيب رسمي بين الدول المحيطة به لإدارته، يخضع مضيق ملقا لسلسلة من الاتفاقيات بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند.
وتغطي هذه الاتفاقيات كل شيء، بدءاً من الدوريات البحرية المنسقة والمراقبة الجوية، وصولاً إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية البيئة.

