ليلى الجابر
لم يعد المدرج الرياضي مجرد مساحة للمشجعين تضج بالأهازيج والانفعالات، بل انتقلت تلك العدوى -للأسف- إلى منصات الإعلام، حيث استبدل البعض “التحليل المنطقي” بـ”الصراخ العاطفي”، وتحولت لغة الأرقام والمراجعة الفنية إلى لغة المناكفات التي لا تبني وعياً ولا تخدم رياضة.
ليست المشكلة في أن بعض الإعلاميين يميلون لفريق على حساب آخر، فالتعاطف الإنساني مفهوم وقائم في كل مجال؛ المشكلة الحقيقية أن هذا الميول تحوّل من نزوة خاصة يُدارى بها إلى هوية مهنية يُتباهى بها، حتى غدا التعصب أسلوباً، والانحياز شخصية.
حين تصبح الإثارة بضاعة
لو تأملنا المشهد بعين باردة، سنجد أن ما يجري ليس انزلاقاً عفوياً، بل هو استجابة مدروسة لمنطق السوق؛ فالمقطع الصاخب يُشاهَد أكثر، والتصريح المشتعل يُتداول بشكل أوسع، والمواجهة الكلامية تصنع “ترندات” أسرع مما يفعله التحليل الرصين الذي يحتاج وقتاً ومجهوداً للفهم.
وبهودوء ومن دون إعلان رسمي، جرى استبدال معيار الجودة بمعيار الانتشار، وأصبح نجاح البرنامج يُقاس بعدد التعليقات الغاضبة لا بعمق ما قُدِّم فيه.
والخطير في هذه المعادلة أنها تعاقب المتميز وتكافئ المثير؛ فالمحلل الذي يأخذ وقته في تفكيك تكتيك أو قراءة أرقام يجد نفسه في مواجهة غير عادلة مع زميل يكتفي بإطلاق حكم جارح على مدرب أو لاعب، فيأخذ الأخير الضجة، ويذهب الأول إلى الظل.
تحدّث كبار الصحفيين الرياضيين عالمياً عن مفهوم يسمّونه “المسافة الذهنية”؛ وهي ليست برود المشاعر أو اللامبالاة، بل هي تلك القدرة على أن تحبّ الرياضة ومع ذلك تحكم عليها بعقل لا يستأذن قلبك قبل أن يُبدي رأيه.
لذلك فإن جوهر العمل الإعلامي هو “المسافة”، تلك المسافة الضرورية التي تسمح للصحفي أو المحلل برؤية المشهد بوضوح بعيداً عن ضغوط الانتماء.
ولكن ما نشهده اليوم في الكثير من البرامج الرياضية هو ذوبان هذه المسافة، حيث أصبح الميكروفون أداة لتصفية الحسابات أو استمالة عواطف الجماهير، مما أدى إلى تغييب العقل وتغذية التعصب وسطحية الطرح.
الرياضة السعودية تستحق أكثر
بينما تشهد الرياضة السعودية قفزات نوعية عالمية، يتوجب على الخطاب الإعلامي أن يواكب هذا الرقي. الإعلامي ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو صانع للوعي وشريك في التنمية الرياضية.
إن الاستمرار في نهج “إعلام المشجع” لا يضر بسمعة المؤسسات الإعلامية فحسب، بل يجهض الجهود المبذولة لتطوير بيئة رياضية احترافية ومثالية.
لذلك، الحل لا يكمن في قمع العاطفة، فالرياضة في أصلها شغف، ولكن الحل في تهذيب هذه العاطفة داخل إطار المهنية؛ فنحن بحاجة إلى إعلام يفرق بين المحلل الذي يشرح لماذا حدث ذلك بعيداً عن الميول، والناقد الذي يشخص الخلل بغرض الإصلاح لا التشهير، وأخيراً للمشجع الذي يكون مكانه الطبيعي هو المدرج وليس كرسي التحليل.
الكلمة أمانة، ومسؤولية الإعلامي تكمن في كونه مرآة تعكس الواقع بصدق، لا بوقاً يردد صدى المدرجات. والرقي بالرياضة يبدأ بكلمة مسؤولة، وطرح متزن، وعقل يسبق العاطفة.
الرياضة بحاجة إلى من يُحبّها بعقله، لا من يتاجر بها بصوته.

