في لحظات تُعد من أكثر لحظات الحج كثافة وحساسية، تتحرك مئات الآلاف من الخطوات في وقت متقارب داخل مسارات محسوبة بدقة، حيث يلتقي البعد التعبدي مع واحدة من أكبر عمليات إدارة الحشود في العالم.
وبينما يتوجه الحجاج لأداء شعيرة رمي الجمرات خلال أيام التشريق، تقف منشأة الجمرات الحديثة نموذجًا لتحول هندسي وتنظيمي أعاد رسم مشهد المشاعر المقدسة بالكامل.
ومع تزايد أعداد الحجاج عبر العقود، لم تعد حلول الماضي قادرة على استيعاب الكثافات البشرية المتصاعدة، ما دفع المملكة إلى تنفيذ مشروع نوعي أحدث تغييرًا جذريًا في آليات التفويج والتنقل والسلامة داخل أحد أكثر المواقع ازدحامًا خلال موسم الحج.
من أعمدة حجرية إلى منشأة عملاقة
في سنوات سابقة، كانت منطقة الجمرات تعتمد على أعمدة حجرية صغيرة تحيط بها مساحات محدودة وممرات ضيقة، الأمر الذي كان يسبب ازدحامًا كبيرًا ويصعّب حركة الحجاج خلال أداء الشعيرة.

أما اليوم، فتحولت المنطقة إلى منشأة هندسية متطورة تتكون من خمسة طوابق تمتد بطول يصل إلى 950 مترًا وعرض يبلغ 80 مترًا، بطاقة استيعابية تتجاوز 300 ألف حاج في الساعة، بما يسمح بتوزيع الحشود وتفويجها بصورة أكثر انسيابية وأمانًا خلال أوقات الذروة.
وتضم المنشأة شبكة متكاملة من الجسور متعددة الاتجاهات وممرات الحركة ومخارج الطوارئ، إضافة إلى مئات السلالم الكهربائية التي تسهم في تسهيل انتقال الحجاج بين الأدوار المختلفة.
منظومة ذكية لإدارة الحشود
لا تعتمد منشأة الجمرات على التوسعات الهندسية فقط، بل تستند أيضًا إلى منظومة تشغيلية وتقنية تعمل على مدار الساعة لمراقبة الحركة وإدارة الكثافات البشرية.

وضمن أعمال التشغيل والتطوير، عملت شركة كدانة للتنمية والتطوير على رفع كفاءة مرافق المنشأة وتجهيزها للموسم، من خلال تشغيل مئات السلالم الكهربائية وتفعيل منظومة مراقبة رقمية تضم مئات الكاميرات لرصد الحركة وتحليلها بصورة مستمرة.
كما جرى تخصيص مئات عربات التنقل لتسهيل حركة الحجاج والعاملين داخل المنشأة، إلى جانب نشر شاشات إرشادية متعددة اللغات وأنظمة توجيه تساعد على تحديد المسارات وتقليل التكدس.
جاهزية متكاملة لتعزيز السلامة
شملت أعمال التجهيز كذلك تعزيز أنظمة الحماية والسلامة داخل المنشأة عبر شبكة متطورة تضم صناديق إطفاء وطفايات حريق وآلاف رشاشات الإطفاء التلقائي، بما يرفع سرعة الاستجابة للحالات الطارئة ويعزز مستويات الأمان.

وامتدت أعمال الصيانة لتشمل الجسور والمنحدرات والأنفاق والساحات المحيطة، إضافة إلى صيانة أنظمة التكييف ووحدات الإنارة واللوحات الإرشادية والمظلات، بما يضمن المحافظة على الجاهزية التشغيلية للمنشأة خلال فترات الذروة.
كما وفرت الجهات المشغلة آلاف الحواجز التنظيمية لتوجيه الحشود وإدارة تدفق الحركة بصورة دقيقة، بما يسهم في تقديم تجربة أكثر سهولة وسلاسة للحجاج أثناء تنقلهم.
وتواصل منشأة الجمرات ترسيخ مكانتها كأحد أبرز المشاريع التطويرية في المشاعر المقدسة، باعتبارها نموذجًا يجمع بين الحلول الهندسية والتقنيات الحديثة، ويعكس حجم الاستثمارات والجهود المبذولة لتوفير بيئة آمنة ومنظمة لملايين الحجاج خلال أداء مناسكهم.

