في عالم تسعير الفن المعاصر، تسقط القواعد المنطقية تمامًا أمام شريط لاصق فضي اللون.
تخيل أن تدخل إلى متجر بقالة محلي، تشتري فاكهة لا تتجاوز قيمتها بضعة سنتات، ثم تقوم بلصقها على حائط أبيض لتتحول فورًا إلى أصل مالي يتصارع عليه أصحاب الملايين.
هذه ليست مزحة خيالية، بل هي القصة الحقيقية والعبثية للعمل الفني «الكوميدي» الذي ابتكره الفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان، والذي تحول تدريجيًا من مجرد فكرة استفزازية إلى أغلى وجبة خفيفة في تاريخ البشرية.
ولادة موزة كاتيلان
بدأت المسرحية في عام 2019 داخل أروقة معرض «آرت بازل» بمدينة ميامي الشاطئية.
قدم كاتيلان عمله ببساطة مفرطة: موزة صفراء عادية مثبتة بشريط لاصق على الجدار، حيث انقسم الجمهور حينها بين السخرية المفتوحة والإعجاب الشديد بالجرأة المفاهيمية.
ولكن، سرعان ما أخذت الأمور منحنى دراميًا غير متوقع.
بالعودة لتفاصيل تلك اللحظة، وثقت وكالة «أسوشيتد برس» في تقريرها إقدام الفنان الاستعراضي ديفيد داتونا على انتزاع الفاكهة من الحائط وتقشيرها والتهامها ببرود تام، معلنًا أن ما يفعله هو أداء فني يحمل اسم «فنان جائع».
لم تنهار قيمة العمل الذي كان مسعرًا بـ 150 ألف دولار حينها، بل استبدل الحراس الفاكهة ببساطة، لتستمر الأسطورة في التضخم.
مزاد موزة كاتيلان
مع مرور السنوات، تحولت النكتة الفنية إلى هوس استثماري حقيقي. الفاكهة نفسها تتعفن وتُستبدل كل بضعة أيام، لكن «الفكرة» المرتبطة بها اكتسبت وزنًا خرافيًا.
تجلى هذا الجنون المالي في أبهى صوره خلال شهر نوفمبر من عام 2024، داخل صالة مزادات «سوذبيز» العريقة في نيويورك.
ووفقًا لتغطية وكالة «أسوشيتد برس» للمزاد المثير، شهدت القاعة حرب مزايدات شرسة بين سبعة أثرياء، انتهت بضربة مطرقة أعلنت بيع العمل بمبلغ فلكي تجاوز 6.2 مليون دولار.
المشتري لم يدفع هذا الرقم مقابل فاكهة قابلة للتلف، بل اشترى «شهادة الأصالة» وكتيب التعليمات الصارم الذي يوضح كيفية استبدالها بشكل دوري لضمان استمراريتها.
وليمة موزة كاتيلان
لم يكتفِ المشتري الجديد، وهو الملياردير الصيني الشاب ومؤسس منصة العملات المشفرة جاستن صن، بتخزين شهادة الأصالة في خزنة بنكية آمنة، بل قرر تحويل استثماره إلى عرض مسرحي عالمي جديد.
نقل صن الحدث إلى قاعة فاخرة في أحد فنادق هونج كونج الكبرى.
أمام عدسات الصحافة العالمية، وكما نقلت وكالة «أسوشيتد برس» في توثيقها للحدث، ألقى الملياردير خطابًا قصيرًا ثم قشر الفاكهة الباهظة والتهمها في قضمات سريعة، صرح بعدها بابتسامة واسعة أن طعمها «أفضل بكثير من الموز الآخر».
تحولت الوجبة إلى إعلان ترويجي ضخم لثقافة العملات المشفرة وقدرتها على اختراق وكسر القواعد التقليدية للتمويل والفن.
سرقة موزة كاتيلان
الفصل الأحدث من هذه المسرحية العبثية يدور الآن في القارة الأوروبية؛ ففي فرنسا، تفاجأ حارس في متحف «بومبيدو ميتز» بأن الجدار فارغ.
الشريط اللاصق موجود، والشهادة المعنوية لا تزال محفوظة، لكن الجسد المادي للعمل الفني قد اختفى.
سارعت إدارة المتحف لتقديم شكوى جنائية ضد مجهول. الإدارة تدرك تمامًا أن اللص لم يسرق سوى فاكهة متواضعة من البقالة المجاورة، لكنها تعتبر الحادثة تعديًا صارخًا على الاحترام الواجب للمؤسسة الفنية ذاتها.
الفاكهة تتعفن، والفكرة تبقى. هذه هي الخلاصة التي راهن عليها ماوريتسيو كاتيلان منذ البداية، مكرسًا حياته المهنية لاختبار حدود التقبل البشري؛ فمن مرحاض ذهبي عيار 18 قيراطًا سُرق وتم تفكيكه، وصولًا إلى فاكهة تُشترى بالملايين لتُؤكل في غرف الفنادق الفاخرة، يثبت الفن المعاصر أن القيمة الحقيقية للأشياء لم تعد تكمن في مادتها الخام، بل في القصة المجنونة التي ينسجها البشر حولها.

