أكد الكاتب والخبير بالشأن الدولي نبيل العجل، أن الحديث عن حياد الصين في الصراع المرتبط بإيران أصبح يواجه تساؤلات متزايدة في ظل ما وصفه بالأدلة والمؤشرات المتراكمة التي تكشف عن أدوار تتجاوز المواقف السياسية المعلنة، وتمتد إلى مجالات التكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والدعم الصناعي ذي الطابع العسكري.
وأضاف العجل أن مفهوم الحياد في الأزمات الدولية لم يعد يُقاس بالتصريحات الرسمية فقط، بل بما يحدث فعليًا على الأرض، خاصة في بيئة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والقدرات ذات الاستخدام المزدوج، مشيرًا إلى أن أي دعم غير مباشر يعزز قدرات الرصد أو الاستهداف أو الاستدامة العسكرية يمثل عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
وتابع أن تقارير دولية متعددة بدأت ترسم صورة مختلفة للدور الصيني تجاه إيران، مشيرا إلى أن أحد أبرز المؤشرات تمثل فيما نشرته شبكة Al Jazeera بشأن احتمالية استخدام إيران لنظام الملاحة الصيني Beidou Navigation System المعروف بدقته العالية، وهو ما قد يمنح طهران قدرات أكبر في مجال الضربات الدقيقة وتحسين أنظمة التوجيه والاستهداف.
وأوضح أن تقارير نشرتها صحيفة The Wall Street Journal تحدثت عن دور صيني وصفته بالهادئ في مساعدة إيران على الصمود عبر قنوات اقتصادية وتكنولوجية، لافتًا إلى أن تقارير أخرى كشفت عن مناقشات تتعلق بصفقات تشمل طائرات مسيّرة هجومية وصواريخ باليستية.
ونوه إلى أن موقع Middle East Eye أشار إلى أن بعض الطائرات المسيّرة ربما تم إرسالها بالفعل إلى إيران، فيما أفادت وكالة Reuters بأن طهران تقترب من إتمام صفقة للحصول على صواريخ مضادة للسفن تفوق سرعتها سرعة الصوت من الصين، وهي قدرات قال إنها قد تؤثر بشكل مباشر على أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وفي السياق ذاته، ذكر العجل أن الدعم الصيني لا يقتصر على الأسلحة التقليدية، بل يمتد إلى البنية الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية، موضحًا أن تحقيقًا نشرته The Washington Post كشف عن شحنات مرتبطة بمواد يمكن استخدامها في البرامج العسكرية الإيرانية كانت تغادر موانئ صينية باتجاه إيران.
وذكر أن وكالة Reuters نقلت عن مسؤولين معلومات تفيد بقيام شركات صينية بتوفير تقنيات تصنيع رقائق إلكترونية يمكن استخدامها في التطبيقات العسكرية، فيما أشارت تقارير أخرى لـ The Wall Street Journal إلى توريد مواد كيميائية تدخل ضمن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.
وأكد العجل أن ما يحدث لا يمكن وصفه بالتدخل العسكري المباشر، بل هو “نموذج دعم غير مباشر” يعتمد على التمكين التقني والدعم الصناعي والتجاري الذي يساهم في استمرار القدرات العسكرية الإيرانية، حتى دون وجود قوات صينية على الأرض.
وأشار إلى أن تقارير إيرانية رسمية تحدثت عن تلقي دعم من الصين وروسيا، وهو ما يعكس – بحسب وصفه – شبكة دعم معقدة تضمن استمرار قدرة إيران على التصعيد العسكري والحفاظ على توازناتها الإقليمية.
وعلى الجانب الاقتصادي، أوضح العجل أن العلاقة بين بكين وطهران لا تنحصر في البعد العسكري، بل ترتبط بمصالح استراتيجية طويلة الأمد، لافتًا إلى أن إيران تمثل مصدرًا مهمًا للنفط والغاز بالنسبة للصين، إضافة إلى موقعها الحيوي ضمن مشروع الحزام والطريق.
ولفت إلى أن الموانئ الإيرانية، مثل ميناء جاسك وميناء بندر عباس، تمثل نقاطًا استراتيجية مهمة للصين في إطار تأمين طرق التجارة وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات التقليدية، وهو ما يمنح طهران أهمية اقتصادية وجيوسياسية متزايدة في الحسابات الصينية.
وفيما يتعلق بدول الخليج، أكد العجل أن هذه التطورات تفرض تحديات كبيرة تتعلق بمسألة الشفافية والاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة الصينية منها، داخل البنى التحتية الحيوية.
وأوضح العجل أن الصين قد لا تكون حاضرة بشكل مباشر في ساحات المواجهة، لكنها – بحسب وصفه – حاضرة في الخلفية” عبر التكنولوجيا، والدعم الصناعي، وسلاسل التوريد، وهو ما يجعل مفهوم الحياد الصيني أقل وضوحًا مما يبدو.
واختتم الكاتب والخبير بالشأن الدولي نبيل العجل حديثه بالتأكيد على أن أمن الخليج لم يعد يعتمد فقط على قراءة المواقف السياسية المعلنة، بل على فهم الشبكات الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية التي تؤثر في موازين القوى، مشددًا على أن مراقبة وفهم الدور الصيني في دعم إيران أصبح ضرورة استراتيجية لحماية أمن واستقرار المنطقة.

