حامد العتيبي
كأس العالم على الأبواب، وهو أكبر منصة كروية تستطيع الدول المشاركة من خلالها أن تقدم نفسها للعالم، وكأنها تقول: هذا نحن، وهذه كرتنا، وهؤلاء نجومنا. كما أنه يمثل حصيلة سنوات من العمل داخل الاتحاد المحلي والمنظومة الرياضية بأكملها.
منتخبنا السعودي، مع كل مونديال يتأهل إليه، يمنحنا لحظة من الفخر ونحن نستعيد ذكريات المشاركة التاريخية في الأراضي الأمريكية عام 1994، قبل أن تتسلل إلينا مشاعر القلق عند استحضار مشاركات أخرى لم تكن على القدر ذاته من النجاح.
التأهل إلى مونديال 2026 هو السابع في تاريخ الأخضر، والسابع على المسرح العالمي. وخلال المشاركات الست السابقة، لم يحقق المنتخب سوى أربعة انتصارات في 16 مباراة، نصفها جاء في المشاركة الأولى.
ومع كل مشاركة تتغير الأهداف وتختلف التطلعات؛ فهناك من يكتفي بمشاركة مشرفة، وهناك من يطمح إلى تأهل تاريخي للأدوار الإقصائية. كما تتباين الرؤى بين الاتحاد والجهاز الفني واللاعبين والجماهير حول معيار النجاح الحقيقي.
لكن إذا أردنا صناعة صورة فنية مستدامة للمنتخب السعودي في كأس العالم، فعلينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من نتائج بطولة واحدة. فالمنتخبات التي فرضت حضورها على الساحة العالمية لم تكتف بالمشاركة، بل نجحت في تحويل ظهورها المونديالي إلى فرصة لتسويق لاعبيها وإبراز مواهبها أمام العالم.
ومن هنا أرى أن على القائمين على الرياضة السعودية استثمار أكبر منصة كروية في العالم لتقديم اللاعب السعودي بوصفه مشروعاً احترافياً قادراً على المنافسة في أقوى الدوريات الأوروبية.
ومن وجهة نظري، فإن قمة النجاح في مونديال 2026 لا تتمثل فقط في عدد النقاط أو بلوغ دور معين، بل في أن تعود بعثة الأخضر من البطولة وثلاثة أو أربعة من لاعبيها تحت مجهر الأندية الأوروبية، وتحظى أسماؤهم باهتمام حقيقي من أندية قادرة على تطويرهم وصقل إمكاناتهم.
هذا هو النجاح الاستراتيجي الحقيقي؛ لأنه لا ينعكس على بطولة واحدة فحسب، بل يؤسس لمنتخب أقوى في المستقبل، ويمنح الكرة السعودية رصيداً متراكماً من الخبرات والاحتراف الخارجي، وهو ما سنكون في أمسّ الحاجة إليه قبل استضافة كأس العالم 2034.
أسماء مثل مصعب الجوير، ومحمد أبو الشامات، ونواف العقيدي، وفراس البريكان، ومحمد الحمدان، تملك أعماراً مناسبة وفرصة ذهبية لصناعة أسمائها على المسرح العالمي. فالمونديال ليس فقط بطولة للمنتخبات، بل أيضاً نافذة يراقب من خلالها العالم اللاعبين القادرين على صناعة الفارق.
كما أن على وزارة الرياضة، في حال وصول عروض احترافية جادة، أن تدعم هذه الخطوة بالتنسيق مع الأندية و تعويضها، وأن تتابع مسيرة اللاعبين خارجياً لضمان نجاح التجربة واستمرارها، لأن نجاح لاعب واحد يفتح الباب أمام آخرين.
عندها فقط سيكون لدينا أكثر من نموذج ناجح على خطى نجمنا الأول سعود عبد الحميد، وسنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح.
أما غير ذلك، فستظل نتائج المونديال، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مجرد لحظات عابرة يصعب البناء عليها مستقبلاً، بينما يبقى الأثر الحقيقي في ما تتركه المشاركة من إرث فني وبشري يمتد لسنوات قادمة .

