سجّل التضخم الأمريكي قفزة جديدة هي الأعلى منذ 3 سنوات في مايو الماضي مدفوعًا بأسعار الوقود القياسية، في إشارة جديدة على تفاقم أعباء المعيشة وتحديات توفير السلع بأسعار معقولة.
وأفادت وزارة التجارة الأمريكية بأن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 4.1% في مايو مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي، مسجلة أكبر زيادة سنوية منذ أبريل 2023، بينما استقر معدل التضخم الأمريكي الشهري عند 0.4% متوافقًا مع أبريل، ومسجلاً تراجعًا عن نسبة 0.7% المحققة في مارس.
أثر أسعار الطاقة والذكاء الاصطناعي على قفزة التضخم الأمريكي
تأثر التضخم الأمريكي بشكل أساسي بصعود أسعار الوقود، إلى جانب زيادة كلفة أشباه الموصلات والمعدات الحاسوبية المرتبطة ببنيان الذكاء الاصطناعي، ما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير هذا العام، في تحول عن توجهات يناير حين خطط لخفض الفائدة مرتين، وسط توقعات حالية من بعض الخبراء الاقتصاديين بالاتجاه نحو رفع أسعار الفائدة.
وفي هذا الصدد، أوضح مارك فيتنر كبير الاقتصاديين في مؤسسة «بيدمونت كريسينت كابيتال» لوكالة و174أسوشيتد برس»، أن التضخم الأساسي بات أقرب لنسبة 3% من المستهدف البالغ 2%، مبينًا أن التحرك القادم لمجلس الاحتياطي الفيدرالي سيكون على الأرجح في اتجاه الرفع لا الخفض، مستبعدًا إقدامه على قرار الرفع قبل العام المقبل.
ورغم تراجع أسعار النفط منذ إبرام اتفاق مع إيران مطلع الشهر الجاري، إلا أن الصراع دفع بأسعار البنزين لتبلغ 4.50 دولارًا للجالون كمتوسط عام في مايو، وعادت لتتراجع إلى 3.92 دولارًا وفقًا لبيانات الجمعية الأمريكية للسيارات، غير أنها تظل أعلى بنسبة تتجاوز 20% مقارنة بالعام الماضي بالتزامن مع موسم القيادة الصيفي.
عناد التضخم الأمريكي الأساسي وتوقعات الفيدرالي القادمة
من المرجح أن يؤدي تراجع أسعار الوقود لخفض التضخم العام في قراءة الشهر المقبل، إلا أن مقاييس التضخم الأمريكي الأساسي الكامنة لا تزال تسجل ارتفاعات عنيدة تثير قلق الفيدرالي؛ إذ ارتفعت الأسعار الأساسية التي تستثني فئتي الطاقة والأغذية المتذبذبتين، بنسبة 3.4% في مايو على أساس سنوي مقارنة بنسبة 3.3% في أبريل مسجلة أعلى صعود منذ أكتوبر 2023، وبلغت زيادة التضخم الأساسي شهريًا 0.3% وهي النسبة ذاتها المسجلة بالشهر السابق.
ولا يقتصر تفاقم الضغوط على قطاع الطاقة؛ إذ تسبب التوسع في الذكاء الاصطناعي بزيادة كلفة المكونات الحاسوبية، ما دفع شركة «أبل» للإعلان عن رفع أسعار حواسبها وأجهزة «آيباد»، كما سجلت أسعار الخدمات قفزة حادة مدفوعة بزيادة كلفة الوجبات في المطاعم، الغرف الفندقية، إصلاحات السيارات، والرعاية الصحية.
وفي المقابل، أظهر المستهلكون استعدادًا لمواصلة الإنفاق، إذ ارتفع الإنفاق المعدل تبعا للتضخم بنسبة 0.3% بين أبريل ومايو، وسجلت الدخول المعدلة تبعا للتضخم نموًا بنسبة 0.3% للمرة الأولى في أربعة أشهر.
وكشف تقرير منفصل عن نمو الاقتصاد الأمريكي بمعدل سنوي بلغ 2.1% خلال الربع الأول في تعديل إيجابي للتقديرات السابقة التي وقفت عند 1.6%، متزامنًا مع انخفاض طلبات إعانة البطالة الأسبوع الماضي كدليل على استقرار سوق العمل.
وأكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش، عزم البنك المركزي على دفع التضخم للتراجع نحو مستهدفه البالغ 2% دون إعطاء إشارات حول الخطوات المحددة.
ومع ذلك يتوقع بعض المحللين زيادة أسعار الفائدة هذا العام، وهي التقديرات التي أربكت الأسواق وهوت بقطاعات النمو السريع مثل التكنولوجيا، حيث ظل التضخم فوق مستهدف الفيدرالي لأكثر من 5 سنوات.
ولفت كبير الاقتصاديين في مؤسسة “بيدمونت كريسينت كابيتال”، إلى أن التضخم لم يكن يتجاوز 2.5% طيلة عقد كامل قبل الجائحة ما يجعل القفزات الحالية أصعب في التقبل لدى الأسر.
ويغطي التقرير مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي “PCE” الأقل شهرة مقارنة بمؤشر أسعار المستهلكين “CPI” الذي أظهر قفزة مماثلة، ويفضل الفيدرالي مؤشر “PCE” لأنه يمنح وزنًا أقل للإسكان ويعكس التغيرات الفعالة في الأنماط الشرائية للأمريكيين كالتحول نحو المنتجات البديلة الأقل ثمنًا عند غلاء المعيشة.
وتأتي هذه البيانات التضخمية غداة رفض الرئيس الأمريكي التوقيع على تشريع قطاع الإسكان الذي أقره الكونغرس لتحفيز البناء وخفض الأسعار.
وكان ترامب قد علق على تقرير مؤشر أسعار المستهلكين مطلع هذا الشهر بالقول إنه “يحب التضخم”، واصفًا تركيز الديمقراطيين على أزمة التوفير بأسعار معقولة بأنه مجرد «خدعة».
وكان التضخم كان قد قفز إلى 9.1% إبان عهد الرئيس السابق جو بايدن، ورغم تراجعه ليقترب من 2% في عام 2024 إلا أن الناخبين واصلوا التعبير عن استيائهم من الارتفاع التراكمي في كلفة البقالة والإيجارات، وكان مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي قد سجل آخر قراءة دون 2.5% في أبريل 2025 بالتزامن مع كشف ترامب عن حزمته الحمائية الجمركية، ليرتفع التضخم بعدها بثبات واصلًا إلى 2.9% قبيل اندلاع حرب إيران مباشرة.

