لا تقتصر تأثيرات موجات الحر على الشعور بالإرهاق أو الانزعاج الجسدي، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر في أداء الدماغ والقدرات الذهنية، فكثير من الأشخاص يلاحظون خلال الأيام شديدة الحرارة صعوبة في التركيز، وبطءًا في التفكير، وتراجعًا في القدرة على اتخاذ القرارات أو إنجاز المهام اليومية، وهي أعراض تُعرف شائعًا باسم “ضباب الدماغ”.
ويرى مختصون أن هذه الحالة ليست مرضًا بحد ذاتها، وإنما استجابة طبيعية من الجسم عند التعرض لدرجات حرارة مرتفعة، إذ يوجه طاقته للحفاظ على درجة حرارة الجسم، وهو ما قد يأتي على حساب بعض الوظائف الإدراكية.
كيف تؤثر الحرارة في الدماغ؟
توضح أخصائية العلاج المعرفي التأهيلي ناتالي ماكنزي أن “ضباب الدماغ” يُستخدم لوصف مجموعة من الأعراض مثل تشوش التفكير، وضعف الانتباه، وصعوبة التركيز، وبطء معالجة المعلومات.
وخلال موجات الحر، يتولى الوطاء (تحت المهاد)، وهو الجزء المسؤول عن تنظيم حرارة الجسم، مهمة الحفاظ على درجة الحرارة الطبيعية، فيعمل على زيادة التعرق وتوجيه تدفق الدم نحو الجلد للمساعدة في تبريد الجسم.
وتؤدي هذه الاستجابة الطبيعية إلى استهلاك قدر أكبر من الطاقة، إلى جانب تحويل جزء من تدفق الدم بعيدًا عن الدماغ، ما يجعل الوظائف الإدراكية الأساسية، مثل التركيز والانتباه، أولى القدرات التي تتأثر بارتفاع درجات الحرارة. كما يزداد معدل ضربات القلب، ويشعر الجسم بالإجهاد، وهو ما ينعكس على سرعة التفكير وكفاءة الأداء الذهني.
تأثير مباشر على الذاكرة واتخاذ القرار
لا يتوقف تأثير الحر عند ضعف التركيز، بل يمتد إلى الذاكرة والقدرة على معالجة المعلومات، فعندما يقل الانتباه، يصبح من الصعب تصفية المعلومات المهمة من المشتتات، وهو ما يؤثر في الذاكرة العاملة المسؤولة عن الاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة ومعالجتها.
كما تصبح عملية استرجاع المعلومات أبطأ، ويحتاج الشخص إلى وقت أطول لاتخاذ القرارات أو حل المشكلات، نتيجة انخفاض كفاءة الوظائف التنفيذية للدماغ. لذلك قد يشعر البعض بتراجع الإنتاجية أو زيادة الأخطاء خلال العمل أو الدراسة في الأجواء الحارة.
النوم والمزاج يزيدان المشكلة
لا تنتهي آثار الحر بانتهاء اليوم، إذ تؤثر درجات الحرارة المرتفعة أيضًا في جودة النوم، لأن الجسم يحتاج إلى انخفاض طبيعي في درجة حرارته للدخول في النوم العميق. وعندما لا يحدث ذلك، تقل ساعات النوم المريح، وهو ما ينعكس على الذاكرة والتركيز في اليوم التالي.
كما قد يؤدي الحر إلى زيادة التوتر وسرعة الانفعال، بسبب الضغوط الفسيولوجية التي يتعرض لها الجسم، مما يجعل التحكم في المشاعر واتخاذ القرارات أكثر صعوبة.
وينصح الخبراء خلال موجات الحر بشرب كميات كافية من الماء، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس في أوقات الذروة، والحرص على النوم الجيد والعمل في أماكن جيدة التهوية، فهذه الإجراءات تساعد على تقليل تأثير الحرارة في الدماغ والحفاظ على التركيز والأداء الذهني.

