قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن قرار الرئيس دونالد ترامب إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، غير دستوري، في حكم بارز يعزز استقلالية البنك المركزي الأمريكي ويضع حدودًا واضحة لتدخل البيت الأبيض في شؤونه.
وقالت المحكمة في رأيها إن الرئيس لا يملك سلطة دستورية لعزل أحد محافظي الاحتياطي الفيدرالي دون سبب قانوني واضح، معتبرة أن إقالة كوك لا تستند إلى أساس يجيز إنهاء عضويتها في المجلس.
وتتمحور القضية حول ليزا كوك، التي عُينت في عهد الرئيس جو بايدن، وتمتد ولايتها في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي لمدة 14 عامًا، حتى عام 2038. وتعد كوك أول امرأة سوداء تشغل مقعدًا في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وكان ترامب قد أعلن، في أغسطس الماضي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إقالة كوك، زاعمًا امتلاكه أدلة على تورطها في مخالفات مرتبطة بالرهن العقاري. وتنفي كوك تلك الاتهامات، ورفعت دعوى ضد إدارة ترامب، مؤكدة أن قرار عزلها صدر دون سبب قانوني مشروع.
ويعد الحكم انتصارًا مهمًا للاحتياطي الفيدرالي، الذي واجه خلال العام الماضي ضغوطًا متزايدة من البيت الأبيض، في ظل انتقادات متكررة من ترامب لمسار أسعار الفائدة. ويرى ترامب أن أسعار الفائدة يجب أن تكون أقل، معتبرًا أن مستوياتها الحالية تضغط على الاقتصاد الأمريكي.
ويمثل قرار المحكمة تحولًا لافتًا مقارنة بعدد من الأحكام السابقة التي منحت ترامب مساحة واسعة لتنفيذ أجندته خلال ولايته الثانية، ومنها السماح له بعزل عضو معين من الديمقراطيين في المجلس الوطني لعلاقات العمل، وقرارات أخرى قلصت قدرة المحاكم الأدنى على إصدار أوامر قضائية واسعة النطاق ضد سياسات الإدارة.
لكن المحكمة، في هذه القضية، وضعت حدًا لصلاحيات الرئيس عندما يتعلق الأمر بالاحتياطي الفيدرالي، الذي يُنظر إلى استقلاله باعتباره عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد الأمريكي.
وخلال الأشهر الماضية، تجاهل أغلب مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي مطالب الولاء السياسي الصادرة عن ترامب، فيما ركز الرئيس هجومه بشكل خاص على جيروم باول، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، الذي كان ترامب قد عينه في عام 2018.
وكانت وزارة العدل قد فتحت تحقيقًا مع باول في يناير الماضي، على خلفية شهادته بشأن أعمال تجديد في مقر الاحتياطي الفيدرالي تجاوزت ميزانيتها، قبل أن تغلق التحقيق في أبريل بعد موجة انتقادات واسعة. ورغم انتهاء فترة باول رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي في مايو، أعلن استمراره عضوًا في مجلس المحافظين، في خطوة نادرة عكست مخاوفه من مستقبل استقلال البنك المركزي.
وتولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي خلفًا لباول في مايو، وسط توقعات بأن يكون أكثر تقبلًا لخفض أسعار الفائدة، رغم المخاوف من تأثير ذلك على الأسعار، خاصة في ظل ضغوط تضخمية متزايدة مرتبطة بالحرب مع إيران.
ويتمتع الاحتياطي الفيدرالي بدور محوري في الاقتصاد الأمريكي، إذ يحدد أسعار الفائدة التي تؤثر مباشرة في تكلفة الاقتراض والإنفاق والاستثمار. وتعد كوك واحدة من 12 عضوًا يصوتون ثماني مرات سنويًا على قرارات الفائدة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن استقلال البنك المركزي عن الحسابات السياسية شرط ضروري للحفاظ على الاستقرار النقدي والاقتصادي، خصوصًا في أوقات الأزمات والضغوط السياسية.

