لم تعد شكاوى النسيان وضعف التركيز حكراً على طاعني السن أو علامة حتمية للشيخوخة؛ بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ظاهرة شائعة تلاحق جيل الثلاثينات والأربعينات من العمر.
هذه الحالة، التي يُطلق عليها علمياً “تشوش الذهن” أو “ضبابية الدماغ”، باتت تدق ناقوس الخطر حول سلامة القدرات الإدراكية للشباب في ذروة عطائهم العملي والاجتماعي.
ملامح خفية لذهن مجهد
تتسلل ضبابية الدماغ إلى حياة الفرد اليومية في صور متعددة، تبدأ ببطء ملحوظ في التفكير، وصعوبة بالغة في الحفاظ على التركيز لفترات طويلة.
ويمتد التشوش ليعطل التدفّق اللغوي عبر نسيان كلمات بسيطة في منتصف الجمل، فضلاً عن تحول المهام الروتينية اليسيرة إلى أعباء ثقيلة تستهلك طاقة مضاعفة.
وينقل موقع “أونلي ماي هيلث” عن الدكتور روبام بورغوهاين، استشاري طب الأعصاب، تحذيراً بالغ الأهمية؛ إذ يرى أن النسيان إذا بدأ يعطل الروتين اليومي، أو يؤثر عمداً على الأداء الوظيفي، فإنه يتطلب استشارة طبية فورية.
كما أن عوارض مثل الارتباك المفاجئ، والصداع الحاد، وصعوبة الكلام، أو تبدل سمات الشخصية، تستدعي تقييماً طبياً عاجلاً لا يحتمل التأجيل.
فخ “المهام المتعددة” واستنزاف الشاشات
يعزو المتخصصون تفشي هذه المعضلة بين فئة الشباب إلى نمط الحياة المعاصر؛ وفي مقدمته ضغوط الحياة اليومية، واضطرابات النوم، والتعرض المفرط والمستمر للشاشات الرقمية.
ويشير الدكتور بورغوهاين إلى أن الاستسلام لثقافة “أداء المهام المتعددة في آن واحد” والتنقل اللحظي بين منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات يرهق الدماغ ويشتت الانتباه، الأمر الذي ينتهي بضعف الذاكرة العاملة وتراجع القدرة على تخزين المعلومات الجديدة.
وتعزز هذا الطرح دراسات علمية حديثة تؤكد أن الوميض المتواصل للمحتوى السريع عبر الشاشات، لاسيما خلال ساعات الليل، يستنزف الموارد العصيبة للدماغ، مما ينعكس مباشرة على شكل تراجع حاد في صفاء الذهن وانخفاض كفاءة الذاكرة.
خارطة طريق لاستعادة صفاء الذهن
لحماية العقل من التشتت والوقاية من التدهور المعرفي المبكر، يوصي خبراء الأعصاب باتباع حزمة من التغييرات السلوكية والصحية:
تنظيم النوم: الالتزام بـ 7 إلى 8 ساعات من النوم المنتظم يومياً، حتى في عطلات نهاية الأسبوع، لتنشيط ردود الفعل وتحسين المزاج.
الديتوكس الرقمي: إغلاق الشاشات والابتعاد عن الهواتف قبل التوجه للنوم بساعة كاملة على الأقل.
الفحوصات المخبرية: مراقبة مستويات فيتامينات “ب 12″ و”د” ونسبة الحديد، إلى جانب فحص هرمونات الغدة الدرقية في حال استمرار الأعراض.
إدارة التوتر والنشاط البدني: ممارسة اليوغا والتأمل، والمشي لمدة 30 دقيقة يومياً بمعدل 5 أيام في الأسبوع لتعزيز الوظائف التنفيذية للدماغ.
التغذية والترطيب: شرب الماء بانتظام، وتناول وجبات متوازنة تحافظ على استقرار سكر الدم وتمد الخلايا العصبية بالدهون الصحية والبروتينات.

