تواجه التجمعات البشرية خطرًا صحيًا متزايدًا جراء ملامسة الأسطح اللاهبة التي قد تسبب حروقًا بالغة في أجزاء من الثانية.
يوضح الدكتور كيفين فوستر، مدير مركز أريزونا للحروق في فينكس، أن أسطح الأسفلت والخرسانة المعرضة للشمس المباشرة تصل حرارتها إلى 82 درجة مئوية في الأيام الأشد حرارة، بالتزامن مع تحذيرات الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية في الولايات المتحدة من «طقس حار خطير» بوسط وشرق البلاد قبيل احتفالات ذكرى إعلان الاستقلال، وفقا لوكالة «رويترز».
البنية العمرانية الصماء وتأثيرها في ظاهرة الجزر الحرارية
تؤدي حرارة الأسطح المكشوفة دورًا حرجًا في رفع حرارة الأجواء المحيطة بها، حيث تمتص كميات هائلة من الطاقة الشمسية ثم تعكسها مجددًا لتزيد حرارة الهواء الكلية.
وبينما تمتص المساحات النفاذة والرطبة كالأعشاب والتربة قدرًا أقل من الحرارة، تستطيع مواد البناء كالأسفلت والخرسانة امتصاص ما يصل إلى 95% من طاقة الشمس لتعيد إشعاعها في الغلاف الجوي وتغذي ظاهرة الجزر الحرارية بشكلٍ مباشر.
على سبيل المثال، عندما تسجل موازين الأرصاد 38 درجة مئوية، فإن هذا الرقم يقيس حرارة الهواء على ارتفاع متر فوق الأرض، بينما تتجاوز أسطح الأسفلت والأسمنت في الوقت نفسه 65 درجة مئوية مسببة حروقًا جلدية فورية، ما يستدعي اتخاذ تدابير وقائية صارمة.
التمدد المدني يكرس مخاطر ظاهرة الجزر الحرارية
تتسبب عمليات التطوير العمراني في تبديل البيئة الطبيعية كليًا بعدما حلت الهياكل الصماء والشبكات الطرقية محل الأسطح النفاذة، ما يولد ما يسميه علماء المناخ «الجزر الحرارية الحضرية»، وهي مناطق داخل المدن تسجل درجات حرارة أعلى بكثير مقارنة بالريف المجاور.
تضم هذه النطاقات كثافات بشرية عالية؛ إذ تشير وكالة البيئة التابعة للاتحاد الأوروبي إلى أن نحو نصف المدارس والمستشفيات في المدن الأوروبية تقع حاليًا داخل نطاق ظاهرة الجزر الحرارية، ما يعرض الفئات الأكثر ضعفًا لمخاطر صحية حادة مع تفاقم آثار التغير المناخي.
ويؤكد العلماء أن موجة الحر الأخيرة التي بدأت في 20 يونيو الماضي تصنف كأقسى موجة رصدت تاريخيًا في أوروبا، مسببة إرباك إنتاج الطاقة وتدمير البنية التحتية وضغطًا هائلًا على المستشفيات.
تحذيرات دولية من تداعيات ظاهرة الجزر الحرارية
أطلق مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس تحذيرًا جديًا عبر منصة «إكس»، موضحًا أن 150 مليون إنسان يعيشون تحت وطأة الحر الشديد وسط تسجيل مئات الوفيات وإغلاق المدارس وانهيار شبكات الطاقة.
وذكر أدهانوم أن موجات الحر التي كانت تحدث «مرة كل جيل» باتت تتكرر سنويًا تقريبًا بفعل الاحتباس الحراري، مشددًا على أن المنشآت والمنازل الأوروبية غير مجهزة لمجابهة هذه الظروف المتطرفة.
وتظهر تقارير وكالة حماية البيئة الأمريكية أن المعدل السنوي لحرارة الهواء في المدن الكبرى التي يقطنها مليون نسمة أو أكثر قد يزيد بمقدار درجة إلى 3 درجات مئوية عن محيطها الريفي، وتتسع الفجوة في الليالي الصافية لتصل إلى 12 درجة مئوية.
وتنشأ تلك الجزر الحرارية نتيجة تضافر عوامل عدة؛ فبينما تسهم النباتات في خفض الحرارة عبر ظاهرة «النتح التبخري» الذي يطلق الرطوبة لتبديد الحرارة، تعمل الهندسة العمرانية الضيقة للمباني على احتجاز الحرارة ليلًا وتخزين الطاقة الشمسية بداخل الأسطح نهارًا بدلًا من عكسها.
حلول خضراء تقاوم تشكل ظاهرة الجزر الحرارية
تكشف الصور الحرارية الملتقطة عبر الأشعة تحت الحمراء بواسطة الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، عن تباين حراري واضح بداخل المدن بناء على طبيعة التضاريس، حيث تظهر الكتل العمرانية كبؤر ساخنة بينما تبدو المساحات النباتية أكثر برودة، ما يبرز الأهمية القصوى للحدائق في التخفيف من وطأة الحرارة حتى وإن كانت مساحاتها صغيرة.
وفي هذا الإطار، لجأ مخططو المدن في اليونان إلى تحويل قطع الأراضي المهملة المليئة بالنفايات والأعشاب الضارة بداخل العاصمة أثينا إلى ما يُعرف بـ«حدائق الجيب» الحضرية لمواجهة التمدد الحراري.
وأوضح عمدة أثينا كوستاس باكويانيس أبعاد هذه الخطوة قائلًا إن المسألة تتعلق بخلق مساحات خضراء جديدة، وخفض درجات الحرارة المرتفعة، وتقديم جودة حياة أفضل للسكان، مع إيجاد مراكز جذب بيئية متطورة بداخل البنية الحضرية للمدينة للحد من وطأة ظاهرة الجزر الحرارية.

