فهيد الدوسري
في عالم اليوم، لم يعد نجاح المؤسسات يقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بقدرتها على الاستفادة من تنوع الخبرات في صناعة القرار. هذا المبدأ أصبح أحد أهم مرتكزات الحوكمة الحديثة في مختلف القطاعات، بما فيها القطاع الرياضي.
فكرة القدم لم تعد مجرد منافسات داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل الإدارة، والاستثمار، والتسويق، والحوكمة، والمسؤولية الاجتماعية، والتطوير الفني. وكلما اتسعت دائرة المشاركة لتشمل مختلف أصحاب العلاقة، أصبحت القرارات أكثر نضجًا واستدامة.
من هنا، يبرز اللاعب السابق باعتباره أحد أهم مكونات المنظومة الرياضية؛ فهو ليس مجرد اسم ارتبط بمرحلة تاريخية، بل صاحب تجربة عملية عاش تفاصيل اللعبة من داخل الملعب وخارجه، وواجه تحديات الاحتراف، والمنتخبات، والمنافسات، والجماهير، والإعلام، ما يمنحه رؤية مختلفة تسهم في إثراء صناعة القرار.
لذلك؛ فإن الاستفادة من هذه الخبرات لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تكريمًا لمسيرة رياضية، وإنما استثمارًا في رأس مالٍ وطنيٍّ يمتلك معرفةً تراكمت عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة؛ فالمنظومات الناجحة لا تترك الخبرات تتوقف عند الاعتزال، بل تحولها إلى قيمةٍ مضافةٍ تستفيد منها الأجيال القادمة.
ولهذا، اتجهت العديد من الاتحادات الرياضية حول العالم إلى توسيع قاعدة المشاركة في الحوكمة، وإشراك مختلف مكونات كرة القدم في صناعة القرار؛ ففي البرتغال، تضم الجمعية العمومية ممثلين عن اللاعبين السابقين إلى جانب بقية مكونات اللعبة، بينما تشارك فئات اللاعبين في منظومة الحوكمة في إسبانيا وفرنسا وفق الأنظمة المعمول بها في كل اتحاد.
وكذلك، عزز الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) حضور صوت اللاعبين في الحوكمة عبر شراكاته المؤسسية مع اتحاد اللاعبين العالمي (FIFPRO)، بما يعكس توجهًا عالميًا نحو إشراك جميع أصحاب العلاقة في تطوير كرة القدم.
وهنا في المملكة، تعيش الرياضة مرحلة تاريخية من التطور، مدعومة برؤيةٍ طموحةٍ واستثماراتٍ نوعيةٍ واستعدادٍ لاستضافة أكبر الأحداث الرياضية العالمية.
وفي ظل هذا التحول، تبدو الفرصة مواتية للاستفادة من الخبرات الوطنية التي أسهمت في صناعة تاريخ الكرة السعودية، سواءً عبر اللجان المتخصصة، أو المجالس الاستشارية، أو أي أطر مؤسسية تتوافق مع الأنظمة، بما يثري جودة القرار ويعزز استدامة التطوير.
إن تنوع الخبرات داخل منظومة الحوكمة لا يمنح الأفضلية لفئة على أخرى، بل يعزز التكامل بين جميع مكونات اللعبة، ويجعل القرار أكثر شمولًا، ويقربه من واقع الميدان، ويمنح المؤسسات قدرة أكبر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
فالخبرات الوطنية لا تنتهي مع صافرة الاعتزال، بل تبدأ منها مرحلة جديدة من العطاء. وعندما تصبح الخبرة شريكًا في صناعة القرار، تصبح الحوكمة أكثر قوة، وتصبح كرة القدم أكثر قدرة على مواصلة النجاح وتحقيق مستهدفاتها.

