يُعرف «العمى الزمني» بأنه صعوبة في تقدير الوقت وإدراك مروره، وهو اضطراب يرتبط بالوظائف التنفيذية للدماغ، وقد يكون ذا منشأ وراثي أو مرتبطا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
ورغم أن هذا المصطلح يُستخدم أحيانا لتبرير التأخر المتكرر، فإن المختصين يؤكدون أنه يستند إلى أساس عصبي يتعلق بآليات عمل الدماغ التنفيذية، إلا أن ذلك لا يعفي المصاب من تحمل مسؤولياته، بل يستدعي الاعتماد على وسائل واستراتيجيات عملية للحد من تأثيره في الحياة اليومية.
وكثيرا ما نصادف شخصا يشتهر بالتأخر عن مواعيده، إلى درجة أن أصدقاءه يحددون له موعدا يسبق الموعد الحقيقي لضمان حضوره في الوقت المناسب.
وبينما يفسر البعض هذا السلوك على أنه سوء في تنظيم الوقت، يرى الخبراء أن هناك أشخاصا لديهم استعداد بيولوجي يجعل إحساسهم بالزمن أقل دقة. وقد صاغ عالم النفس السريري راسل باركلي هذا المصطلح عام 1997 لوصف الصعوبة التي يواجهها المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في تنظيم سلوكهم وفقا للإطار الزمني، كما ارتبطت هذه الظاهرة أيضا بكل من القلق واضطراب طيف التوحد.
وأثار هذا المفهوم نقاشا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ يرى فريق أن الأشخاص الذين يتأخرون باستمرار عن المناسبات الاجتماعية، رغم التزامهم بمواعيد العمل، يعانون من اللامبالاة، بينما يعتقد آخرون أن المسألة تتجاوز ضعف إدارة الوقت لتكون حالة عصبية ونفسية حقيقية.
ويشير المختصون إلى أن «العمى الزمني» يتمثل في العجز عن تقدير المدة اللازمة لإنجاز مهمة ما أو إدراك الزمن المنقضي، ويرجع ذلك إلى خلل في الوظائف التنفيذية للدماغ، ولا سيما في الفص الجبهي المسؤول عن التخطيط، وترتيب الأولويات، وتقسيم المهام، وإدارة أكثر من مهمة في الوقت نفسه.
ويؤدي ضعف هذه الوظائف إلى زيادة احتمالية الإصابة بالعمى الزمني، كما يرتبط بصعوبة البدء في المهام أو الاستمرار فيها، وضعف التحكم في الاندفاع، وسرعة التشتت، وهي خصائص شائعة لدى المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن التأخر الدائم لا يعني بالضرورة الإصابة بهذا الاضطراب. فقد أظهرت دراسة أمريكية أن للعمى الزمني جانبا وراثيا محتملا، إذ طُلب من المشاركين تنفيذ مهمة خلال مدة زمنية محددة، فكان الأشخاص الأكثر التزاما بالوقت ينظرون إلى الساعة بصورة متكررة، في حين كان المتأخرون أقل انتباها إليها، ما جعلهم يتجاوزون الوقت المحدد دون قصد.
كما دعمت دراسات حديثة هذه الفرضية، إذ حللت دراسة إحصائية موسعة نُشرت عام 2022 نتائج 55 دراسة مختلفة، وتوصلت إلى أن المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يحققون أداء أضعف في مهام تقدير الزمن، وإعادة إنتاجه، والتمييز بين فتراته، ويرتكبون أخطاء أكبر عند تقدير الوقت المنقضي، سواء تعلق الأمر بثوان معدودة أو بدقائق.
ويرى الدكتور راسل باركلي، أحد أبرز الباحثين في هذا المجال، أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يمثل في جوهره خللا في التنظيم الذاتي المرتبط بالزمن، إذ يعيش المصابون به وكأن المواعيد النهائية والعواقب المستقبلية لا تؤثر في سلوكهم إلا عندما تصبح وشيكة. ويصف ذلك بقوله: «أكبر ضرر يسببه هذا الاضطراب هو أنه يفسد إدراك الشخص للزمن، بحيث لا يأخذ المستقبل مأخذه الجاد، ولا يتصرف إلا عندما يصبح الأمر عاجلا وطارئا ولا يحتمل الانتظار».
ويفسر هذا الأمر المشهد المتكرر لشخص يعتقد أن أمامه 20 دقيقة لإنجاز مهمة سريعة، ثم يكتشف أن ساعة كاملة قد مرت دون أن يشعر، إذ يؤكد علماء النفس أن ذلك يعكس صعوبة حقيقية في متابعة مرور الوقت أثناء الانشغال، وليس قرارا متعمدا بالتأخير.
ويؤكد المختصون أن الفارق الأساسي يكمن في التمييز بين تفسير السلوك وتبريره، فالأشخاص المصابون بالعمى الزمني لا يقصدون تجاهل الآخرين أو التقليل من أهمية مواعيدهم، إلا أن ذلك لا يعفيهم من المسؤولية الشخصية. ولذلك، فإن فهم الأساس العصبي لهذه الحالة يمثل الخطوة الأولى، تليها الاستعانة بوسائل عملية مثل المؤقتات المرئية، والتنبيهات، والتقاويم، وأدوات التذكير الخارجية، لتعويض صعوبة تتبع الوقت داخليا، والحد من آثار هذه الظاهرة في العمل والعلاقات والحياة اليومية.

