تواجه القارة الأوروبية تهديداً متصاعداً في مجال الطاقة، إذ تقع القارة تحت وطأة موجات حر قياسية أدت إلى إرباك واسع في شبكات الكهرباء والأنظمة البيئية على حد سواء.
وفي قلب هذه الأزمة، تتجه فرنسا، التي تعد مصدراً رئيسياً للطاقة لجاراتها، إلى خفض إنتاج ما يصل إلى خمس من محطاتها النووية خلال الأسبوع الجاري، بعد أن أدى الارتفاع القياسي في درجات الحرارة إلى سخونة مياه الأنهار، مما جعلها غير صالحة لتبريد المفاعلات النووية بشكل آمن.
وبدأت ملامح هذه الأزمة الخانقة تتكشف بوضوح منذ الشهر الماضي، حين تسببت موجة حر سابقة في تعطل أحد المحولات الرئيسية، مما أسفر عن انقطاع التيار الكهربائي عن نحو 70 ألف أسرة في فرنسا، تزامناً مع تسجيل البلاد أشد أيامها حرارة على الإطلاق ببلوغ درجات الحرارة 44 درجة مئوية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الحرارة على الجوانب المادية، بل امتدت لتودي بحياة أكثر من 1000 شخص في فرنسا، في مؤشر خطير على أن سرعة وتيرة الأزمة المناخية تتجاوز بكثير استجابة الحكومات الأوروبية وتدابيرها الوقائية.
وتنتظر فرنسا الأسوأ خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مع توقعات بسيطرة «قبة حرارية» ذات ضغط مرتفع، قد تدفع درجات الحرارة لملامسة حاجز الـ 42 درجة مئوية في بعض المناطق.
وهذا الارتفاع المتزايد في حرارة مياه الأنهار يضعف قدرتها على تبريد المحطات النووية التي تمثل العمود الفقري لمزيج الطاقة الفرنسي، ما يضطر السلطات إلى تقليص الإنتاج في وقت تبلغ فيه الحاجة للكهرباء ذروتها لتشغيل أجهزة التكييف.
وتبرز هنا مفارقة مأساوية؛ ففي الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى الكهرباء للحفاظ على درجات حرارة داخلية تبقي الناس على قيد الحياة، تصبح شبكات الطاقة أكثر عرضة للانهيار.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير عن إيان ستافيل، الأستاذ المساعد للطاقة المستدامة في «إمبريال كوليدج لندن»، قوله: «مع ارتفاع درجات الحرارة، تتوقف الأشياء عن العمل بكفاءة. أعتقد أننا بحاجة ماسة لتكييف نظام الطاقة للتعامل مع هذا الطقس المتغير».
ولا تقف ارتدادات هذه الأزمة عند حدود فرنسا، بل تمتد لتهدد توفر الكهرباء وتكلفتها في دول مجاورة تعتمد على الواردات الفرنسية مثل المملكة المتحدة وألمانيا، كما أن الحرارة تحد من قدرات التبريد في محطات الفحم والغاز، وتؤثر سلباً على إنتاج الطاقة الكهرومائية.
ورغم امتلاك جميع دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 لخطط تكيف مناخي، إلا أن تقارير وكالة البيئة الأوروبية تؤكد أن «نقص التمويل طويل الأجل» قد كبح تنفيذها.
ويرى سيموني تالياييترا، الباحث في معهد «بروجيل»، أن الحلول مكلفة، مؤكداً أنه يمكن لشركات المرافق التكيف عبر «تعزيز الشبكات لدرجات الحرارة المرتفعة، ونشر البطاريات، وجعل أنظمة تبريد المحطات مقاومة للمناخ».

